كيف يسهم الذكاء الاصطناعي بالتأثير على الجغرافيا السياسية؟

بقلم الزميل غير المقيم محمد معاذ

باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.

لقد أظهرت أحداث عام 2025 أن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت تقنية الذكاء الاصطناعي ستعيد تشكيل النظام العالمي، بل حول مدى سرعة ذلك، وما هي التكلفة لذلك. فعلى مدار العام الماضي، أفضت الإنجازات التكنولوجية بين كل من الولايات المتحدة والصين إلى زيادة المنافسة في مجال هذه التقنية بين القوى العظمى[1]. وتسابقت الدول والشركات لبناء مراكز بيانات ضخمة وبنية تحتية للطاقة لدعم تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه. وفي الوقت نفسه، كان صناع السياسات يواجهون تحديات ذات صلة بإيجاد التوازن بين السلامة والأمن والابتكار وكيفية إدارة الاضطرابات العملية المحتملة التي تلوح في المدى المنظور. ومع بداية عام 2026، بات التقدم السريع للذكاء الاصطناعي يهدد بعدم القدرة على التنبؤ في النظام العالمي المجزّأ بالفعل. وفي هذه المقالة سنضيء على بعض النقاط حول ما يمكن توقعه من هذه التقنية وكيف يمكن لها أن تؤثر على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في العالم.   

تسميم بيانات الذكاء الاصطناعي

في مارس الماضي، ذكرت شركة “NewsGuard” المختصة في تتبع المعلومات المزيفة، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل “تشات جي بي تي” تضخّم الدعاية الروسية[2]. وبحسب الشركة، فشبكة “برافدا” وهي مجموعة من المواقع الإلكترونية المؤيدة للكرملين وتحاكي المنصات الإخبارية الشرعية، قد نشرت ملايين المقالات التي تستهدف أكثر من ثمانين دولة. وتقوم هذه المواقع بتبييض وتضخيم محتوى وسائل الإعلام الحكومية الروسية، سعيًا منها إلى إضفاء الشرعية على الحرب مع أوكرانيا مع التشكيك في الدعم الغربي لكييف. وتقول “NewsGuard” إن هذه المقالات مصمَّمة لاستهداف البرمجيات التي تبحث عن بيانات تدريبية لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على غرار “تشات جي بي تي”. وبالتوازي، فقد أظهرت أبحاث[3] أجرتها شركة”Anthropic”  الأمريكية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي ومعهد أمن الذكاء الاصطناعي التابع للحكومة البريطانية (AISI)، كيف يُمكن لكميات ضئيلة من البيانات الخاطئة أن “تُسمّم” حتى النماذج الضخمة بفعالية. وفي الوقت الراهن، يتزايد لجوء الناس إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لفهم الأحداث الجارية حول العالم. وإذا ما تم التلاعب ببيانات نموذج الذكاء الاصطناعي من قِبل مصادر تهدف إلى الخداع، ستكون النتيجة التأثير على معرفة المستخدمين وآرائهم أيضًا.

وفي العام الجاري، من المرجح أن تصبح قضية تسميم الذكاء الاصطناعي قضيةً رئيسة، ولا سيما وأن بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تعاني من تأخر في تحديثها (مثلًا، لا تزال العديد من النماذج تنتظر نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024). وعليه، فإن حملات الدعاية الموجهة التي تستهدف هذه التقنية ستبدأ بالظهور بشكل أكبر. ولأنه لا يمكن التحقق بشكل موثوق مما يحتويه نموذج الذكاء الاصطناعي من مخرجات، فإن النتيجة ستكون تحديًا هائلًا في مجال البحث والسياسة.

تحدي الحكم البشري

إن التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يشكل تحديًا أعمق للحكم البشري والهوية البشرية مقارنةً بأي عامٍ مضى. ولا يرجع هذا فقط إلى أن نماذج هذه التقنية باتت تُظهِر قدرات معقدة، بل تتعداه لكون المحتوى المولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مشحونًا عاطفيًا في بيئة المعلومات الحالية. وقد أظهرت المصادر الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي كيف يمكن استهداف الاستقطاب بشكلٍ متعمد، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى ملفق يضيف بعدًا جديدًا لكيفية تفسير الأحداث السياسية والاجتماعية وغيرها. إذ يعمل المحتوى المولَّد على إعادة تشكيل ديناميكيات التلاعب وما يمكن وصفه بـ”لعبة التضليل”، حيث يتم نشر مخرجات مفبركة، وتضخيم السرديات الدعائية. فعلى سبيل المثال، في يونيو 2025، وفي خضم التصعيد بين إسرائيل وإيران، أصبح الذكاء الاصطناعي الوجه الجديد للدعاية[4]. وشمل ذلك محتوى مزيفًا، كالضربات الصاروخية المُختلقة، والمعدات العسكرية. وتضمنت أيضًا تزييفات أكثر تعقيدًا للقطات كاميرات المراقبة التي أصبح من الصعب اكتشافها بسهولة.

وفي الأيام الأولى من عام 2026، ومع اعتقال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، زاد استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء المحتوى الإعلامي بشكلٍ كبير[5]. ورغم أن معظم هذا المحتوى كان فكاهيًا أو ساخرًا بطبيعته، إلّا أنه يظهِر أنماط استخدامٍ جديدة، قادرة على تشكيل تصورات السلطة وطمس الخط الفاصل بين السخرية والتلاعب والدعاية. وسواء كان المحتوى الملفق يهدف إلى إثارة الفكاهة أو التشويش، فإنّ الحكم البشري سيواجه تحديات جديدة ذات صلة بصعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمُصطنع.

زيادة تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي

في العام الجاري، ستُضاعف الولايات المتحدة جهودها لتصدير بنيتها التكنولوجية باعتبارها حجر الزاوية في استراتيجيتها الدولية للذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر 2025، السماح لشركة إنفيديا بتصدير رقائقها المتطورة “H200” إلى الصين[6]، في تأييدٍ واضحٍ لوجهة نظره القائلة بأن واشنطن “ستفوز” عند انتشار التقنيات الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي. وقبل أيام من “قرار إنفيديا”، نشرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي[7] التي تُؤكد هذا الأمر صراحةً عن رغبتها بضمان أن تُساهم التكنولوجيا والمعايير الأمريكية، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمومية في “دفع العالم نحو الأمام”.

وعليه، فمن المتوقع أن تبرم الولايات المتحدة المزيد من الشراكات التي تركز على الذكاء الاصطناعي على غرار تلك التي أقيمت مع السعودية والإمارات[8] في عام 2025، إلى جانب الجهود الرامية إلى مواجهة نفوذ الصين المتزايد في الأسواق الناشئة. ولكن وبينما تبذل واشنطن هذه الجهود، إلا أن بكين أيضًا تتمتع بمزايا رئيسة، فقد أثبتت ريادتها في نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، من خلال عرض نماذج مجانية وتقنيات جاهزة للنشر كما هو الحال مع تطبيقات مثل “ديب سيك” وغيرها.

اشتداد التنافس بين الولايات المتحدة والصين

يمكن القول إن العام المقبل سيشهد منافسة أكثر شراسة على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي بين أكبر قوتين في العالم أي الولايات المتحدة والصين. وقد بدأت شركة “ديب سيك” الصينية هذا العام بورقة بحثية[9] حول طريقة جديدة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقها بكفاءة مع خفض التكاليف، ما يشير إلى أن الشركة ستطلق نماذج جديدة في عام 2026. وبالتالي، يبدو أن الصين ستضاعف استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر وتوسيع نطاق انتشارها في العالم (تستخدم العديد من شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى بالفعل نماذج اللغة الصينية الكبيرة في تطبيقاتها[10]). وفي ضوء التطورات الأخيرة في فنزويلا، قد تنخرط واشنطن وبكين في المزيد من الإجراءات التصعيدية بين البلدين على مستوى سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، لا سيما وأن كراكاس قد ساعدت الشركات الصينية على أراضيها من الوصول إلى المعادن النادرة المهمة لتطوير بنية الذكاء الاصطناعي[11]. وهنا لا يمكن إغفال أن تصريحات إدارة ترامب الأخيرة بشأن كولومبيا[12]، التي تستمد منها الصين أيضًا العناصر الأرضية النادرة، لها صلة بهذا الموضوع، وهذا يمكن أن يجعل أمريكا اللاتينية ساحة صراع تكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.

ولكن ماذا عن القوى الأخرى؟ بالنسبة لأوروبا فقد تزيد خلال عام 2026 من استثماراتها الدفاعية في مجال الذكاء الاصطناعي بشكلٍ أكبر مما فعلت في عام 2025. وستشهد دول أخرى ولا سيما الهند، تحسنا كبيرا في قدراتها، حيث تعهدت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى مؤخرًا باستثمارات بمليارات الدولارات في هذه التقنية بالهند[13].

عالمية حوكمة الذكاء الاصطناعي  

لقد دخلت حوكمة الذكاء الاصطناعي في عام 2026 مرحلتها العالمية الأولى مع الحوار العالمي المدعوم من الأمم المتحدة[14]. وللمرة الأولى، أصبح لدى جميع الدول تقريبًا مساحة مخصصة لمناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي ومعاييره وآليات تنسيقه، مما يشير إلى أنه قد أصبح قضية عالمية مشتركة.

ولكن هذا الطموح يتجلى وسط توتراتٍ جيوسياسية حادة، إذ يدفع الاتحاد الأوروبي بنموذج تنظيمي قائم على الحقوق والمخاطر، في حين تفضّل الولايات المتحدة المعايير الطوعية للحفاظ على الابتكار والمرونة الأمنية. ومن جانبها، تعمل الصين على تعزيز التعاون الشامل مع الدفاع عن سيطرة الدولة على البيانات ونشر الذكاء الاصطناعي. أمّا الدول النامية فهي ستظل معتمدة هيكليًا على القوى الكبرى التي تسيطر على الجزء الأكبر من مواهب الذكاء الاصطناعي ورأس المال وقوة الحوسبة. والنتيجة ستفضي إلى إطار عالمي هش وغير متكافئ. وفي هذا السياق، قد تتفق الدول على التقييمات العلمية، ومعايير الشفافية، وما إلى ذلك، لكنها ستتجنب وضع قيود ملزمة على استخدامات الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر مثل الأسلحة ذاتية التشغيل، أو المراقبة الجماعية، أو التلاعب بالمعلومات. وقد ينشأ نوع من التنسيق بين الدول، إلا أن المنافسة الاستراتيجية الأساسية ستظلّ قائمة، الأمر الذي سيؤدي إلى إنتاج بنية حوكمة تدير المخاطر بشكلٍ هامشي، مع التمسك بالحفاظ على المنافسة المحتدمة. وبحلول نهاية عام 2026، قد يساهم الحوار العالمي من جعل حوكمة الذكاء الاصطناعي ذات بعد عالمي من حيث الشكل إلا أن جوهره لن يكون بمعزل عن المنظور الجيوسياسي.

إنّ التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025 وبدايات 2026 تُظهِر أن هذه التقنية تحولت إلى محرك جيوسياسي رئيسي قد يعيد رسم التحالفات، بل ويُعمّق الانقسامات الاستراتيجية. ومن خلال بعض النقاط التي جرى التطرق إليها، يتضح أن الذكاء الاصطناعي يفرض واقعًا جديدًا قد يُعيد فيه تعريف مصادر القوة والنفوذ على الساحة العالمية.


[1] https://fihm.ai/the-future-of-ai-how-are-the-us-and-china-competing/

[2] https://www.newsguardtech.com/press/russias-pravda-disinformation-network-is-poisoning-western-ai-models/

[3] https://www.aisi.gov.uk/research/poisoning-attacks-on-llms-require-a-near-constant-number-of-poison-samples

[4] https://carnegieendowment.org/research/2025/07/iran-israel-ai-war-propaganda-is-a-warning-to-the-world?lang=en

[5] https://www.nytimes.com/2026/01/05/technology/nicolas-maduro-ai-images-deepfakes.html

[6] https://shorturl.at/ATcdr

[7] https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf

[8] https://shorturl.at/Bl8yx

[9] https://www.scmp.com/tech/big-tech/article/3338427/deepseek-kicks-2026-paper-signalling-push-train-bigger-models-less

[10] https://www.france24.com/en/live-news/20251222-as-us-battles-china-on-ai-some-companies-choose-chinese

[11] https://www.axios.com/2026/01/06/donroe-doctrine-the-war-for-minerals-oil-and-ai

[12] https://www.nytimes.com/2026/01/05/us/politics/trump-venezuela-monroe-doctrine.html

[13] https://www.bbc.com/news/articles/cd74gjw1j11o

[14] https://news.un.org/ar/story/2025/09/1143434

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى