موسكو تخرج من وسط آسيا.. إسرائيل في قلب الأفق الحيوي لروسيا

يقول الشاعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت في أحد أشعاره: “وقائلةٍ: ما بالُ مثلِكَ خامِلٌ؟… أأنت ضعيفُ الرّأي، أم أنتَ عاجزُ؟”[1]، وكذا أمرُ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فما باله خاملٌ؟ أهو ضعيف الرأي أم هو عاجزٌ؟ وذلك حين تفقد روسيا حضورها في مناطق كانت تشكّل الأفق الحيوي والمجال الاستراتيجي للإمبراطورية الروسية تاريخيًّا وللاتّحاد السوفياتي في شطرٍ من القرن العشرين ولروسيا الاتحادية في العقود الثلاثة الماضية؟
إنّ مشهد خروج روسيا من جنوب القوقاز بعد هزيمة أرمينيا أمام أذربيجان واستعادة الأخيرة سيطرتها على إقليم ناغورنو قره باغ (جمهورية آرتساخ الأرمنية) في سبتمبر 2023 (انظر مقال: روسيا تخرج من جنوب القوقاز)، يتكرّر مع خروج روسيا من منطقة كانت تشكّل أفقًا حيويًّا ومجالًا استراتيجيًا لها وهي منطقة وسط آسيا التي كانت جمهوريّاتها جزءًا من الاتحاد السوفياتي قبل انهياره نهاية عام 1991 ونيل هذه الجمهوريات استقلالها عن موسكو، حيث ظهرت جمهوريات كازاخستان وتركمانستان وأوزباكستان وطاجيكستان وقرغيزستان إضافة إلى أذربيجان الموجودة على الضفة الغربية لبحر قزوين وعلى الحدود الجنوبية لروسيا عند جبال القوقاز.
إنّ روسيا بإخفاقاتها الاستراتيجيّة المتكرّرة في أكثر من ساحة جيوسياسية (جنوب القوقاز، سوريا، ليبيا)، تشكّل أهمية لها ولبقائها قطبًا عالميًّا في النظام الدولي، قد وطّأت السبل ومهّدت الطرق أمام دخول قوى إقليمية وعالمية أخرى إلى ساحة جيوسياسية جديدة وهي منطقة وسط آسيا لتحلّ دول كبرى مثل الولايات المتّحدة الأمريكية والصين ودول إقليمية كتركيا وأخيرًا إسرائيل محلّها كشركاء لدول وسط آسيا وسط غياب للحضور الروسي التاريخي في تلك المنطقة.
لقد أعلنت كازاخستان أخيرًا انضمامها إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” مع إسرائيل، لتكون الدولة الثالثة في تلك المنطقة تقوم بتطبيع علاقات مع تل أبيب بعد أذربيجان وتركمانستان، حيث زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في 28 يناير 2026 العاصمة الكازاخية آستانا والتقى الرئيس الكازاخي قاسم جومرت توكاييف ووزير الخارجية الكازاخي ييرماك كوشارباييف، كما شارك في مراسم رسمية لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة اليهودية[2].
كما تعدّ أذربيجان شريكًا أمنيًّا موثوقًا لإسرائيل ولا سيما في ما يتعلّق بأنشطة الأخيرة العسكرية والأمنية ضدّ إيران، فيما افتتحت تل أبيب سفارة لها في عاصمة تركمانستان عشق آباد على بُعد كيلومترات عدّة من الحدود التركمانية مع إيران.
لقد أظهرت زيارة ساعر، إلى أذربيجان في يناير 2026، بشكل واضح وجليّ عمق العلاقات بين تل أبيب وباكو، وقد عبّر ساعر بنفسه عن ذلك في مقابلة مع وكالة الأنباء الأذرية APA، قائلاً إنّ “العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل قوية للغاية، وتشهد ديناميات إيجابية في التعاون في مجالات متعددة، من التجارة والطاقة إلى الدفاع، وقد أثبت هذا التحالف نفسه ليس فقط في أوقات اليسر، بل أيضًا في أصعب الظروف”[3].
إنّ التبادل التجاري بين أذربيجان وإسرائيل قد ارتفع بنحو 50% بين 2024 و2025، متجاوزًا 360 مليون دولار، مع تشغيل نحو 20 رحلة جوية أسبوعيًا وربط السياحة بين البلدين، فيما زار حوالي 60 ألف سائح إسرائيلي أذربيجان عام 2025[4].
كما أنّ التعاون بين البلديْن بات يرتقي إلى مستوى تحالف استراتيجي في قطاعات الدفاع والطاقة والمياه والتكنولوجيا والأمن السيبراني، كما حرص ساعر على التأكيد خلال زيارته الحاملة أكثر من 40 ممثلًا من كبرى الشركات الإسرائيلية.[5] ووصف ساعر العلاقات مع باكو بأنها “ركيزة استقرار”، مؤكدًا أن إسرائيل وأذربيجان تشكلان مثالًا على “شراكة مستقرة في أوقات التحديات”[6].
لقد بات دور إسرائيل كفاعل أمني في عمق أوراسيا (القارة التي تعدّ روسيا نفسها قائدتها)، يمتد من جنوب القوقاز إلى وسط آسيا، على الرغم من كونها دولة إقليمية أو فوق إقليمية في الشرق الأوسط، لكن بات لها موطِئَ قدم في هذه المنطقة الحيوية ولا سيما في إطار سعيها لاحتواء إيران ودرء خطرها عنها، وذلك أسوة بما فعلته في منطقة القرن الأفريقي واعترافها بإقليم “صومالي لاند” الانفصالي جمهورية مستقلّة كاملة السيادة، في محاولة لاحتواء خطر حركة “أنصار الله” (الحوثيين) اليمنية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
لقد مهّدت الاستراتيجيات المخفقة لروسيا في وسط آسيا الطريق أمام إسرائيل لنسج علاقات مع دول منطقة وسط آسيا على الرغم ممّا يشكّله ذلك من تهديد للحضور الروسي التاريخي هناك، حيث إنّ إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتّحدة الأمريكية التي لا تفتأ تساند تل أبيب في حروبها قاطبة ضدّ حركة “حماس” في غزّة، و”حزب الله” في لبنان، ونظام “البعث” السابق في سوريا، وحركة “أنصار الله” في اليمن وصولًا إلى مشاركتها في الحملة الجوية على إيران في يونيو 2025 من خلال قيام القاذفات الاستراتيجية الأمريكية بضرب المنشآت النووية الإيرانية. فيما تتمالأ موسكو مع إيران وحلفائها في المنطقة، بل وتجاهر في استقبال وفود من حركة “حماس” والمسؤولين الإيرانيين في موسكو.
فكما في جنوب القوقاز، حيث تمكّنت أذربيجان بدعم تركي وإسرائيلي وتحالفٍ متنامٍ مع الولايات المتحدة، أن تعيد صياغة المعادلة الاستراتيجية في المنطقة بعيدًا عن التأثير الروسي، كذلك في وسط آسيا، برزت الصين بقوة كشريك اقتصادي، وباتت واشنطن أكثر حضورًا في بناء شراكات استراتيجية وتدريبات وعلاقات دفاعية مع دول المنطقة، وعملت تركيا على إظهار نفسها كشقيقة كبرى لتلك الدول التي تعود بمعظمها إلى أصول تركية، لتحضر إسرائيل أخيرًا كشريك أمني واستخباراتي لتلك الدول.
إنّ هذه الشراكات قد لا تقف عند مستوى العلاقات الثنائية بين الدول، بل قد ترتبط بتحالفات أوسع وأحزمة تهدف إلى احتواء روسيا وتطويقها جيوسياسيًا، فيما هي منشغلة بالحرب في أوكرانيا التي تعجز حتّى الآن عن حسمها تقليديًّا.
كما ستعزّز هذه الشراكات حضور الولايات المتّحدة الاستراتيجي في هذه الدائرة الجيوسياسية الحيوية والتي لم تكن ذات أهمية لها سابقًا لولا استقرار تنظيم “القاعدة” في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إضافة إلى أنّها تشكّل ساحة مهمّة للصين وطموحاتها الاقتصادية والجيوسياسية عبر مشروعها (حزام واحد – طريق واحد)، بَلْهَ طموحات تركيا كراعية لمنظمة الدول التركية، ليضاف إليها دور إسرائيل الأمني والتكنولوجي في المنطقة، وهو دور يتجلّى اليوم في تعاون ملموس مع أذربيجان وتركمانستان وأخيرًا كازاخستان وربما يمتد إلى دول أخرى في وسط آسيا على المدى القريب أو المدى البعيد.
لقد كانت روسيا في النصف الثاني من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى طرفًا في الاجتماعات الثلاثية الأمنية التي كانت تُعقد بين مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك جون بولتون ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات، حيث كانت موسكو ممثّلة بسكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف. وكانت المعادلة الاستراتيجية حينها تقوم في أنّ روسيا قادرة على أن تكون الخطّ الفاصل بين إيران والمجموعات الحليفة لها التي تقاتل في سوريا إلى جانب النظام السابق وبين إسرائيل، وأنّها الضامن لدرء الخطر الإيراني عن الحدود مع إسرائيل بل وإبعاد المجموعات الإيرانية مسافة 100 كلم عن الحدود[7]، لتنقلب هذه المعادلة أخيرًا وتصبح إسرائيل على حدود روسيا لمسافة تقارب الـ8 آلاف كلم وهو طول الحدود الأذرية والكازاخية مع روسيا، مع ما يقترن بذلك من عواقب وأخطار أمنية واستخباراتية وتجسسية إسرائيلية تُحدق بالعمق الروسي.
إنّ الحضور الاستراتيجي وبسط النفوذ في ساحة جيوسياسية لا يعني ضمان استمرار هذا الحضور والنفوذ فيها ما لم يقترن بمعرفة الديناميات والعوامل التي تضبط هذه الساحة وتسيطر عليها، ومعرفة القوانين الموضوعية التي تحكم العلاقات والوقائع السياسية فيها ولا سيما معرفة آلية عمل قانون “الفراغ يجذب الصراع” وهو القانون الأوّل من قوانين عمل النظام الدولي وقد كشف عنه العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه “جوهر النظام الدولي” الذي عمل على تصنيفه عام 2016.
وكما سألت المرأة أُمَيَّة أبي الصَّلْت: “أأنت ضعيفُ الرّأي، أم أنتَ عاجزُ؟”، لا بدّ من سؤال الرئيس الروسي بوتين: أأنتَ ضعيفُ الرأي أم عاجزٌ؟
[1] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، شمس الدين الذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1995، ج 36، ص 164.
[2] arabic.rt.com, 28-01-2026, ar.rt.com/11k8j.
[3] en.apa.az, 26-01-2026, en.apa.az/foreign-policy/fm-gideon-saar-israel-azerbaijan-alliance-has-proven-itself-precisely-in-difficult-times-exclusive-interview-489998.
[4] jns.org, 26-01-2026, jns.org/israeli-fm-meets-azerbaijani-president-in-baku/.
[5] en.apa.az, 26-01-2026, en.apa.az/foreign-policy/fm-gideon-saar-israel-azerbaijan-alliance-has-proven-itself-precisely-in-difficult-times-exclusive-interview-489998.
[6] المصدر السابق.
[7] alaraby.co.uk, 24-06-2019, https://www.alaraby.co.uk/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%AC%D9%84-%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84.
