صراع الأقطاب فوق الرمال الملتهبة..الهجوم على إيران واستراتيجية تفكيك “الحلف الرباعي الجديد”

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، لم تكن الانفجارات التي هزت الداخل الإيراني مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كانت إعلانًا رسميًا عن انطلاق “الفصل الثاني” من المواجهة الكبرى. فبعد حرب الـ 12 يومًا التي شهدها حزيران/يونيو الفائت، جاء هذا الهجوم المنسق بين إسرائيل والولايات المتحدة ليعيد صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. ورغم محاولات تبسيط المشهد في بعض الوسائل الإعلامية على أنه “مغامرة” لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استطاع فيها إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقيام بما رفضه أسلافه، إلا أن القراءة العميقة تؤكد أننا أمام تحرك تفرضه “العقيدة الاستراتيجية الأمريكية” العليا.
إيران في ميزان العقيدة القومية الأمريكية
إن التصور السائد بأن الولايات المتحدة تخوض هذه الحرب لمصلحة إسرائيل فحسب هو تصور يفتقر للدقة الجيوسياسية. فواشنطن تنظر إلى الصراع من زاوية الحفاظ على “القطبية الأحادية”. إن صعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي المذهل بات يشكل التهديد الأكبر للزعامة الأمريكية، وهو ما دفع صانع القرار في واشنطن للتحرك بقوة لتعطيل هذا الصعود.
لقد رصدنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي تشكل “تحالف رباعي جديد” يضم (الصين، روسيا، كوريا الشمالية، وإيران)، وهو تحالف يعيد إلى الأذهان “حلف المحور” قبيل الحرب العالمية الثانية. وبما أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة لكسر هذا الحلف، فقد وقع الاختيار على إيران بوصفها “الضلع الأضعف”؛ فهي الدولة الوحيدة في هذا التكتل التي لا تمتلك ردعًا نوويًا معلنًا حتى الآن، ما يجعلها الحلقة الأنسب للبدء بعملية التفكيك.
خنق التنين الصيني عبر البوابة الإيرانية
تدرك واشنطن أن قوة الصين تعتمد بشكل حيوي على تدفقات الطاقة الرخيصة والمستقرة. إن الاتفاقيات الاستراتيجية المليارية التي وقعتها بكين مع طهران تمنح التنين الصيني شريان حياة في مجال الطاقة بعيدًا عن السيطرة الأمريكية المباشرة.
بناءً على هذا، تهدف الاستراتيجية الأمريكية الحالية إلى:
- عزل الصين طاقويًا: فبعد نجاح واشنطن في تحييد النفط الفنزويلي عبر سيناريو تغيير النظام (عزل مادورو وتعيين إدارة موالية)، تسعى الآن لقطع النفط الإيراني عن الصين.
- إسقاط “الدرع الجيوسياسي”: ضرب إيران يعني قطع الطريق على مبادرة “الحزام والطريق” في واحدة من أهم محطاتها الجغرافية.
- إضعاف النظام أو تغييره: في أفضل تقديرات واشنطن، يهدف الهجوم إلى دفع نظام “ولاية الفقيه” نحو السقوط واستبداله بنظام يقطع صلاته بالحلف الرباعي، ما يترك الصين وروسيا في حالة انكشاف استراتيجي بالمنطقة.
جبهة المعلومات.. “العيون” الروسية والصينية في سماء المعركة
لقد أدرك أركان الحلف الرباعي ذلك، ولا يمكن فهم صمود الدولة الإيرانية وقدرتها على توجيه ضربات دقيقة للقواعد الأمريكية من دون النظر إلى ما وراء الكواليس الاستخباراتية. وهنا يبرز الدور المحوري للتعاون العسكري – المعلوماتي داخل “الحلف الرباعي”؛ حيث لم تكتفِ روسيا والصين بالدعم السياسي، بل انتقلتا إلى مرحلة العمليات المشتركة عبر تزويد طهران بفيض من المعلومات الاستخباراتية الحيوية.
حيث تسعى الصين وروسيا إلى تحويل الحرب إلى حرب استنزاف شبيهة بالواقع الأوكراني، والأقمار الصناعية الروسية ومنظومات الرصد الصينية المتقدمة باتت تشكل “مظلة معلوماتية” لإيران، حيث تمدها ببيانات لحظية حول تحركات القطع البحرية الأمريكية وإحداثيات الأهداف الإسرائيلية بدقة متناهية. وبالتأكيد فإنّ الصين تسعى إلى استنزاف القوات الأمريكية في حرب طويلة الأمد تستهلم مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية والأسلحة والذخائر، وقد بدأت بالفعل بسحب مخزونات استراتيجية من مستودعاتها في كوريا الجنوبية واليابان، وستنتظر اللحظة المناسبة للقيام بخطوتها الكبيرة بغزو تايوان وإعادتها إلى البر الرئيسي الصيني، وعندها ستزيد الصين من قوتها الجيوسياسية الأساسية عبر فتح بحر الصين الجنوبي أمامها، وانفتاح إطلالتها على المحيطات.
إن فتح حرب جديدة في شرق آسيا سيكون الخطوة الثانية والحاسمة في بداية عهد الصراع، إذ ستنتهي الدورة القديمة من النظام العالمي وتنتهي فترة التعايش بين الدول والقوى العالمية، وستتوسع الصراعات القائمة في العالم، فقد تدخل كوريا الشمالية في حرب مع كوريا الجنوبية، كما قد تقوم روسيا بخطوات كبيرة لحسم الصراع في أوكرانيا، وستنتشر الحروب في مختلف دوائر العالم الجيوسياسية لتتحول إلى حرب عالمية، وسيكون لها نتائج كبيرة على النظام العالمي، حيث ستؤدي في النهاية إلى بروز أقطاب جدد في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي نعرفه اليوم.
التقاء المصالح مع الحلم الإسرائيلي
على المقلب الآخر، تجد إسرائيل في هذا الهجوم تحقيقًا لحلمها التاريخي. فبالنسبة لتل أبيب، تشكل إيران “خطرًا وجوديًا” ليس فقط بسبب برنامجها النووي، بل بسبب ترسانتها الصاروخية المتطورة وقدرتها على تمويل ودعم “أذرعها” في المنطقة. الهجوم المنسق الذي بدأ ليلة السبت الماضي باستهداف المنشآت النفطية يعكس رغبة إسرائيلية في شل قدرة النظام الإيراني المالية، وبالتالي تجفيف منابع تمويل حلفائه الإقليميين.
وعلى الرغم من الطموحات الأمريكية والإسرائيلية، إلا أن الواقع الميداني يفرض تحديات هائلة. فالجغرافيا الإيرانية الوعرة، ووجود مؤسسات عسكرية عقائدية مستعدة للقتال حتى الموت، تجعل من فكرة “الاجتياح البري” أو تغيير النظام بالقوة العسكرية الصرفة أمرًا بعيد المنال.
لقد أثبت الردّ الإيراني القوي، الذي طال القواعد الأمريكية االتي كلفت المليارات وهدد أمن الطاقة في الخليج، أن طهران تتقن لعبة “عض الأصابع”. إن إطالة أمد الحرب بشكلها الراهن قد يصب في مصلحة النظام الإيراني إذا ما استطاع امتصاص الضربات، لكن واشنطن تراهن على أن إغراق إيران في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية سيؤدي حتمًا إلى “إضعاف فعاليتها” كشريك استراتيجي للصين، حتى لو لم يسقط النظام فورًا.
الخلاصة: من سيصرخ أولًا؟
يقف الشرق الأوسط اليوم فوق فوهة بركان قد يغيّر وجه العالم. إن أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي باتا على كف عفريت. نحن أمام مباراة استراتيجية كبرى في “عض الأصابع” بين أقطاب النظام العالمي القديم والطامحين لنظام جديد. وفي هذه اللعبة القاسية، النصر لن يكون لمن يملك القوة النارية الأكبر فحسب، بل لمن يمتلك النفس الأطول، ويكون “آخر من يصرخ” تحت وطأة الألم.