إثيوبيا والحرب في السودان: بين اعتبارات الأمن القومي وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي


لم يكن اندلاع الحرب الأهلية في السودان في أبريل 2023 مجرّد حدثٍ معزولٍ في الحسابات الإثيوبية، بل تطورًا إقليميًا بالغ الحساسية أعاد تنشيط مجموعة من الملفات العالقة بين الخرطوم وأديس أبابا، ووضعها في سياق جيوسياسي أوسع يتصل بموازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالمواجهة بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) لا تُقرأ في أديس أبابا بوصفها صراعًا داخليًا على السلطة فحسب، بل باعتبارها عاملًا قادرًا على إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإثيوبيا، سواء على مستوى الحدود أو ملف مياه النيل أو شبكة التحالفات الإقليمية.

حيثُ تقوم المقاربة الإثيوبية في إدراك أن السودان يشكّل عمقًا جغرافيًا – من جهة الغرب – ذا حساسية خاصة، إذ تتداخل فيه اعتبارات الأمن الحدودي مع الحسابات المائية والاقتصادية، فضلًا عن كونه ساحة تفاعل بين قوى إقليمية تسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها في القرن الأفريقي. ومن هذا المنطلق، اتسم السلوك الإثيوبي منذ بداية الحرب بالحذر الشديد، حيث تجنبت أديس أبابا الانخراط المباشر أو الانحياز العلني لأي من طرفي النزاع، مفضلةً مراقبة مسار الأحداث وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الفاعلين. غير أن هذا الحياد الظاهري لا يعني غياب المصالح، بل يعكس محاولة دقيقة لإدارة توازن معقد بين مكاسب محتملة ومخاطر قائمة.

ومن ناحية البعد الحدودي، تظل منطقة الفشقة إحدى أبرز نقاط الخلاف والقلق بين البلدين. وتعود جذور التوتر إلى النزاع الطويل حول ملكية الأراضي الزراعية وعدم وضوح الحدود القانونية للمنطقة، بحيث يزعم السودان ملكية بعض الأراضي الزراعية منذ عقود، بينما تعتبر إثيوبيا هذه الأراضي جزءًا من أراضيها. وفي عام 2020، أعادت القوات السودانية انتشارها في هذه المنطقة اثناء انشغال اثيوبيا بحربها مع إقليم تيغراي، ما أدى إلى تصاعد التوترات بين إثيوبيا والسودان. ومع انشغال السودان بحربه الداخلية، تراجعت حدة المواجهة المباشرة، إلا أن هذا التراجع لا يُفسر في أديس أبابا بوصفه تسوية نهائية، بل كهدوء مؤقت مرتبط بانشغال الخرطوم بأولوياتها الداخلية. ومن ثمّ، فإن أي حسم عسكري يعيد إنتاج سلطة مركزية سودانية قوية قد يؤدي إلى إعادة طرح الملف الحدودي بقدر أكبر من الحزم، خاصة إذا ارتبط ذلك بدعم إقليمي لطرف سوداني بعينه.

لكن في المقابل، فإنّ استمرار حالة التفكّك قد يخفف الضغط السياسي الرسمي، لكنّه يفتح الباب أمام تحديات أمنية أكثر تعقيدًا، من بينها انتشار السلاح عبر الحدود، وتصاعد أنشطة التهريب، وتراجع القدرة على ضبط الحركات المسلحة.

وفيما يتعلق بملف مياه النيل، فإن الحرب أعادت ترتيب البيئة السياسية المحيطة بـسدّ النهضة، الذي يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية التنموية والأمنية الإثيوبية. فالسودان كان خلال السنوات الماضية طرفًا أساسيًا في مسار التفاوض مع مصر، وتراوح موقفه بين الوساطة والميل النسبي إلى المقاربة المصرية في بعض الجوانب الفنية. غير أنّ تراجع الدولة السودانية وانكفاء مؤسساتها عن لعب دور تفاوضي نشط منح إثيوبيا مساحة زمنية أوسع لترسيخ واقع تشغيل السدّ وتعزيز عمله ودوره كأمر واقع تقني وسياسي. إلا أن هذا التطور، رغم ما يتيحه من هامش حركة، يبقى محفوفًا باحتمال معاكس يتمثل في أن أي سلطة سودانية مستقرة لاحقًا قد تعيد تموضعها ضمن اصطفاف أكثر وضوحًا مع القاهرة، الأمر الذي قد يفضي إلى إعادة تشكيل جبهة تفاوضية أكثر تماسكًا في مواجهة أديس أبابا.

ولا يمكن فصل الحسابات الإثيوبية عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يتقاطع الصراع السوداني مع تنافس متزايد بين قوى تسعى إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي هذا الإطار، تتابع حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تطورات المشهد السوداني بوصفه جزءًا من معادلة أوسع تتصل بمسألة الوصول إلى الموانئ، وتوازن العلاقات مع دول الجوار، وإعادة تعريف موقع إثيوبيا في شبكة التحالفات الإقليمية. فالدولة التي تفتقر إلى منفذ بحري تدرك أن استقرار السودان أو انزلاقه نحو اصطفافات معينة سينعكس مباشرة على خياراتها الاستراتيجية على المستوى الأمني والتجاري.

داخليًا، تتعامل أديس أبابا مع الأزمة السودانية في ظل بيئة وطنية ما تزال تتعافى من صراعات داخلية وضغوط اقتصادية متزايدة، الأمر الذي يجعل أي انخراط مباشر في النزاع خيارًا عالي الكلفة سياسيًا وأمنيًا. ومن هنا، فإن الأولوية تتمثل في منع انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل الإثيوبي، سواء عبر تدفقات اللاجئين أو من خلال احتمالات تسلل السلاح والعناصر المسلحة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرة الدولة على المناورة الدبلوماسية في مواجهة أي تحولات مفاجئة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن السياسة الإثيوبية تجاه الحرب في السودان لا تقوم في الرهان على انتصار طرف بقدر ما تقوم على محاولة تجنب تشكّل بيئة إقليمية معادية أو غير قابلة للضبط. إنها مقاربة تقوم على كسب الوقت، وتفادي الاستقطاب، وانتظار تبلور ملامح النظام السياسي السوداني الجديد قبل اتخاذ خطوات أكثر وضوحًا. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم اتساقها مع منطق إدارة المخاطر، تبقى رهينة مسار صراع لم تتضح نهاياته بعد، حيث يمكن لأي تحول دراماتيكي في موازين القوى أن يعيد صياغة الحسابات الإثيوبية ويفرض عليها إعادة تموضع تتجاوز حدود الحياد الحذر الذي تتبناه اليوم.

ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى