الفخّ الكبير: كيف تتحوّل الحرب إلى قيدٍ استراتيجي… ولماذا تبدو أمريكا وكأنها تقاتل ولا تستطيع الانتصار ولا الانسحاب

بقلم الزميل غير المقيم الدكتور المهندس سامر عثمان
الدكتور المهندس سامر عثمان هو أكاديمي وخبير دولي متعدد التخصصات، حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة ذات الصلة بالأنظمة العضوية والتطبيقات المستدامة. يمتلك خبرة مهنية متقدمة كمفتش دولي معتمد لصالح الاتحاد الأوروبي في مجال المنتجات العضوية وأنظمة الجودة، بما في ذلك معايير ISO و Global GAP، حيث ساهم في تقييم وتطوير سلاسل الإنتاج وفق أعلى المعايير الدولية.
إلى جانب مسيرته التقنية، يُعد الدكتور عثمان محاضرًا وخبيرًا في الاقتصاد السياسي والعلاقات الجيوسياسية، مع تركيز بحثي على تداخل الاقتصاد مع موازين القوة الدولية وتحولات النظام العالمي. يجمع في عمله بين التحليل الهندسي الصارم والرؤية الاقتصادية الاستراتيجية، ما يتيح له مقاربة متعددة الأبعاد للقضايا الدولية المعقدة.
تتمحور اهتماماته البحثية حول ديناميكيات القوة في النظام الدولي، وحدود النفوذ الإمبراطوري المعاصر، وتأثير الحروب الممتدة على البنى الاقتصادية والسياسية للدول الكبرى

مقدّمة: لحظة الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها
ليست المشكلة في هذه الحرب أنها طويلة، ولا في أنها دامية، ولا حتى في أنها تخرج عن السيطرة تدريجيًا.
المشكلة الحقيقية والتي يتجاهلها كثير من التحليل السياسي التقليدي هي أن هذه الحرب، إذا استمرت في مسارها الحالي، تتحوّل من “صراع إرادات” إلى نظام مغلق.
نظام لا يستطيع فيه أي طرف أن ينتصر بسهولة ولا يستطيع أن ينسحب دون كلفة استراتيجية هائلة ولا يستطيع أن يوقف الانزلاق دون أن يدفع ثمنًا داخليًا وخارجيًا يفوق القدرة السياسية على الاحتمال.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: هل تستطيع أمريكا فعلًا إنهاء هذه الحرب؟ أم أنها أصبحت جزءًا من بنيتها وليست طرفًا خارجيًا فيها؟
أولًا: الحرب التي بدأت وانتهت قدرتها على التوقف
كل حرب كبرى في التاريخ تمرّ بمرحلة خطيرة جدًا:
مرحلة تفقد فيها السيطرة السياسية المباشرة، وتبدأ في إنتاج منطقها الخاص. في هذه المرحلة، لا يعود القرار بيد رئيس أو حكومة أو حتى قيادة عسكرية كاملة، بل تصبح الحرب كيانًا ديناميكيًا:
• يغذّي نفسه بالتصعيد.
• يرفض التراجع.
• ويعاقب أي محاولة للخروج منه.
التاريخ مليء بالأمثلة: فيتنام، العراق، أفغانستان، لكن ما هو أخطر من ذلك أن النتيجة تتكرر دائمًا:
الدخول إلى الحرب قرار، والخروج منها مأزق. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
ثانيًا: مفارقة التفاوض
عندما يصبح السلام أكثر تكلفة من الحرب، في التحليل الواقعي البارد، قد يبدو أن أي حرب يمكن إنهاؤها عبر تفاوض. لكن في الحروب الكبرى، تظهر معضلة مختلفة تمامًا: أن شروط التفاوض تصبح بحد ذاتها “غير قابلة للهضم سياسيًا”.
أي اتفاق محتمل بين أمريكا وإيران — في هذا السيناريو التحليلي — سيحمل مطالب ثقيلة:
• تعويضات ضخمة ذات طابع سياسي واقتصادي.
• إعادة رسم النفوذ العسكري في الشرق الأوسط.
• وتراجع جذري في البنية الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
لكن الأخطر ليس الشروط نفسها، بل ما الذي سيحدث بعد قبولها، لأن أي انسحاب أمريكي شامل من الشرق الأوسط لا يعني فقط نهاية وجود عسكري بل بداية سلسلة ارتدادية عالمية.
ثالثًا: سلسلة الانهيار المتسلسل (Domino Effect)
1. إعادة تشكيل الخليج
منطقة الخليج ليست مجرد جغرافيا نفطية، بل هي مركز توازن استراتيجي عالمي. أي انسحاب أمريكي يخلق فراغًا أمنيًا هائلًا، وهذا الفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا.
النتيجة المحتملة:
• إعادة تموضع القوى الإقليمية.
• تغيرات في موازين النفوذ.
• وتحولات في التحالفات التقليدية.
2. الاهتزاز النقدي العالمي
النظام المالي العالمي يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على تدفق الدولار في أسواق الطاقة والتجارة. لكن الأهم ليس “وجود الدولار” بحد ذاته، بل: الثقة العالمية بأنه العملة المرجعية للاستقرار التجاري والمالي.
وأي خلل في هذا الإدراك يؤدي إلى:
• إعادة توزيع الاحتياطيات النقدية.
• تنويع العملات البديلة.
• وتراجع تدريجي في مركزية الدولار.
لكن يجب التأكيد هنا:
هذا ليس انهيارًا لحظيًا، بل تحوّل بطيء في مركز الثقل المالي العالمي.
3. إعادة تسليح آسيا
في شرق آسيا، كل شيء يُقرأ من زاوية واحدة: هل ما زالت واشنطن قادرة على الضمان الأمني طويل الأمد؟
أي اهتزاز في هذا اليقين يؤدي إلى:
• زيادة الإنفاق العسكري.
• توسع القدرات الدفاعية المحلية.
• وإعادة صياغة العقيدة الأمنية في المنطقة.
4. ارتخاء الجبهة الأوروبية
أوروبا ليست لاعبًا مستقلًا بالكامل في الملفات الكبرى، بل هي جزء من منظومة أمنية ممتدة. لكن أي شعور بأن الالتزام الأمريكي يتراجع عالميًا قد يدفعها إلى:
• إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية.
• تقليل انخراطها في النزاعات الخارجية.
• والبحث عن تسويات إقليمية أكثر براغماتية.
رابعًا: أخطر نقطة… وهم “الحسم العسكري السريع”
أحد أكبر الأخطاء في الحروب الحديثة هو الاعتقاد بأن القوة الجوية والتكنولوجيا قادرة على حسم أي صراع بسرعة. لكن في الواقع، كلما كان الخصم أكثر مرونة وتوزعًا واعتمادًا على الحرب غير التقليدية، كلما تحولت القوة التقليدية إلى عبء استنزاف طويل.
وهنا جوهر المشكلة:
• القوة الأمريكية مصممة للسرعة والحسم.
• بينما الخصم المحتمل مصمم للاستنزاف والتشظي والتمدد الزمني.
وهذا يخلق فجوة قاتلة، تفوق تكتيكي لا يترجم إلى نصر استراتيجي.
خامسًا: مأزق التوسع البري، التاريخ العسكري واضح في نقطة واحدة: كل حرب تبدأ محدودة وتنتهي أرضية معرضة للتحول إلى مستنقع. بمجرد دخول القوات البرية إلى بيئة معقدة جغرافيًا وسياسيًا:
• تتغير قواعد الاشتباك.
• تتوسع الأهداف تلقائيًا.
• وتبدأ مرحلة “الانزلاق الاستراتيجي”.
وهنا يصبح القرار العسكري أسيرًا لثلاثة عوامل:
• الخسائر.
• الرأي العام.
• والاعتبارات السياسية الداخلية.
سادسًا: الحقيقة التي لا تقال في العلن
المؤسسة العسكرية في أي دولة كبرى لا تتحرك بناءً على الرغبة السياسية فقط، بل تعتمد على:
• نماذج محاكاة.
• دراسات استنزاف.
• وتحليل احتمالات طويلة الأمد.
والنتيجة في هذا النوع من الحروب ليست دائمًا ما يتم الإعلان عنه سياسيًا. بل غالبًا ما تكون الحقيقة التالية: لا يوجد نصر واضح، ولا هزيمة واضحة، بل استنزاف طويل بلا نهاية سهلة.
سابعًا: المعادلة الكبرى — هل نحن أمام نهاية نمط أم نهاية نظام؟
القضية ليست حربًا واحدة، بل سؤال أوسع، هل نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية كان فيها نظام عالمي واحد قادرًا على إدارة التوازنات بالقوة؟
أم أننا ندخل مرحلة جديدة:
• تعددية القوى.
• تشابك المصالح.
• وصعوبة فرض الإرادة المنفردة.
إذا كان الخيار الثاني هو الصحيح، فهذا يعني أن الحروب لم تعد أدوات حسم، بل أدوات إعادة تشكيل بطيئة للعالم.
خاتمة: بين القوة وحدود القوة
الحقيقة الأكثر قسوة في هذا التحليل ليست أن أحدًا ينتصر أو يخسر، بل أن الجميع — دون استثناء — أصبحوا داخل معادلة أكبر منهم.معادلة تقول ببساطة:
• لا انسحاب بلا ثمن.
• ولا تصعيد بلا استنزاف.
• ولا حسم بلا تداعيات طويلة الأمد.
وهنا جوهر اللحظة التاريخية، ليس السؤال من الأقوى، بل من الأقدر على التكيف مع عالم لم يعد يقبل الحسم السريع.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام التاريخ، هل تستطيع القوى الكبرى إعادة تعريف دورها في العالم، قبل أن تعيد الحرب تعريفها هي؟
