علمياً.. ما الذي يمنع توقّف حرب غزّة بين “حماس” وإسرائيل؟!

دخلت الحرب في قطاع غزّة بين حركة “حماس” والفصائل الفلسطينية الأخرى من جهة وإسرائيل من جهة أخرى شهرها العاشر، بعد العملية التي نفذّتها “حماس” داخل الأراضي الإسرائيلية في المنطقة المعروفة باسم “غلاف غزّة”، يوم 7 أكتوبر 2023 والتي أطلقت عليها إسم عملية “طوفان الأقصى”.

وقامت “حماس” والفصائل الفلسطينية معها بأسر عشرات المدنيين الإسرائيليين والسياح الأجانب ممّن كانوا يحيون حفلاً موسيقياً في الطبيعة في تلك المنطقة واقتادتهم إلى داخل قطاع غزّة، كما قتلت وأسرت أفراداً وعناصرَ من الجيش الإسرائيلي، نافية الاتهامات والروايات الإسرائيلية بأنّها قامت بقتل مدنيين وأطفالٍ أو ارتكبت اعتداءات جنسية بحقّ النساء أو الجنديات الإسرائيليات بعد عملية 7 أكتوبر 2023.

واستنفرت إسرائيل جيشها وقواتها ونخبة ضبّاطها وجنودها للردّ على هجوم “حماس” والفصائل المقاتلة معها، وشنّت عملية عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزّة من الجوّ والبرّ والبحر، واضعة نصب عينَيْها عدداً من الأهداف أبرزها إعادة كافة الرهائن لدى “حماس” والقضاء على القيادة العسكرية للحركة التي تتمثّل بما يعرف بـ”كتائب عزّ الدين القسّام”، من دون الكشف عن رؤيتها لواقع القطاع ما بعد “حماس” والتي كانت تشكّل السلطة الحاكمة للقطاع الذي تغيب عنه مؤسسات السلطة الفلسطينية المعترف بها دولياً.

وتصاعدت حدّة العنف في الآونة الأخيرة في مناطق غزّة، ولا سيما تلك التي تؤوي مدنيين نازحين من المناطق التي تعرّضت للتدمير والخراب، حيث قامت إسرائيل باستهداف العديد من المباني والمدارس ومراكز الإيواء التي يفترض أن تكون “آمنة”، مشيرة إلى أنّها تستهدف قيادات “حماس” التي تتّخذ من المدنيين دروعاً بشرية.

وقد أدّت هذه الاستهدافات إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى من المدنيين والأطفال والنساء وقد بلغ عدد الضحايا منذ 7 أكتوبر 2023 حتّى الآن أكثر من 38 ألف قتيل إضافة إلى نحو 90 ألف جريح، ما حرّك الدواعي لدى العديد من الشعوب في العالمَيْن العربي والإسلامي للتنديد بهذه الارتكابات ومطالبة الدول والمنظّمات الدولية بالتحرّك لوقف إطلاق النار في غزّة.

ولم تترك حكومات ووزارات خارجية الدول العربية والإسلامية بياناً ولا تصريحاً ولا خطاباً إلّا أصدرته لإدانة إسرائيل والمطالبة بوقف الحرب، وتنفيذ القرارات الصادرة عن محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت وقياداته العسكرية.

ومنذ السابع من أكتوبر لم يتوقّف إطلاق النار سوى لمرّة واحدة من خلال هدنة تمّ التوصّل إليها لمدّة 4 أيام تمّ تمديدها مرّتَيْن لتكون أسبوعاً كاملاً، تمّت خلالها عملية تبادل لعدد من الأسرى بين الجانبَيْن، إضافة إلى إدخال بعض المساعدات الإنسانية، فيما كانت جولات المفاوضات والمحادثات التي يقودها الوسطاء تتعثّر بين ليلة وضحاها لتعود الأمور في كلّ مرة إلى المربّع الأول من دون معرفة أسباب فشلها أو تعثّرها.

وقد استمرّت النداءات والإدانات وبيانات الشجب والاستنكار من قبل الدول والحكومات العربية والإسلامية للمنظّمات الدولية والأممية، كما التظاهرات والاعتصامات، ولكنّها لم تحرّك في الوقائع السياسية أو العسكرية شيئاً.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى، إذ أنّ ما لم تتمكّن من إدراكه لا الحكومات ولا الشعوب ولا المنظّمات الدولية سواء الإنسانية أو القضائية، أنّ ما يحكم الفضاء السياسي والوقائع السياسية هي قوانين مادية موضوعية حيادية صمّاء، لا تتأثّر لا بالعواطف ولا بالمشاعر ولا بالآلام ولا بسقوط الأطفال والنساء والشيوخ ضحايا للحروب والصراعات.

وهذا ما آلينا على أنفسنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية (ICGER) أن نكشفه ونضعه بين يدَيْ الناس، وذلك ليعلموا أنّ الأماني والآمال والرّغبات سواء للشعوب أو للدول والحكومات لا تحكم الوقائع السياسية، بل حتّى أنّ الافراد أو القادة والزعماء ليسوا وقائع سياسية قائمة بذاتها بل هم جزء من الوقائع السياسية الكبرى (الأحزاب، الدول، الأمم) التي تسوقها وتضبطها وتسيطر عليها القوانين المادية الموضوعية الحيادية.

إنّ الكشف الذي عمل عليه المركز الدولي للدراسات عبر رئيسه العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف، وضع القواعد المادية والمبادئ العلمية التي تسيطر على عالم السياسة وتسيطر عليه، بآلية مضبوطة شديدة الإحكام والدقة.

إنّ الواقعة السياسية (M)، بحسب المذهب السياسي للدكتور محمد وليد يوسف، تتحرّك وفق إحداثيات الفضاء السياسي الذي تحكمه أربعة محاور، هي: محور الأيديولوجيا (OI)، محور التاريخ (OH)، محور الجغرافيا السياسية (OG) ومحور المصالح العامة (OP) كما يظهر في الرسم المرفق، ما يفضي إلى أنّ إحداثيات هذه المحاور هي التي تتحكّم بالواقعة السياسية وحركتها.

ولا يمكن للواقعة السياسية أن تتحرّك خارج هذه المحاور إذ أنّها واقعة سياسية مادية خالصة أسوة بالواقعة أو النقطة المادية في الفضاء الإقليدي الذي تتحكّم فيه المحاور (X, Y, Z)، حيث لا يمكن للواقعة المادية إلّا أن تتحرّك وفق هذه المحاور ولا يمكنها أن تخرج منها وهي تنقاد لآليّاتها وقوانينها الحيادية الصمّاء.

إنّ الحرب القائمة في غزّة هي الواقعة السياسية (M)، وهي محكومة بالمحاور التي تحرّك الواقعة السياسية نفسها، أي المحاور الأربعة السابق ذكرها.

وحتّى يتمّ إدراك القوى المسيطرة والمتحكّمة في هذه الواقعة والتي تقوم بتوجيهها والتحكّم فيها لا بدّ من شرح ذلك عبر هذه المعادلة السياسية الرياضية:

حيث أنّ F(M) هي المحصّلة الكلية لقوى التاريخ والجغرافيا السياسية والإيديولوجيا والمصالح العامة التي تحكم كل واقعة أو حادثة سياسية وهي هنا في مقالنا الحرب في غزة.

وبالعودة إلى الخطابات التي رافقت سواء عملية “حماس” في غلاف غزّة وإطلاق عليها تسمية “طوفان الأقصى” أو الردّ الإسرائيلي وخطاب القادة اليمينيين الإسرائيليين من جهة ثانية، نجد أنّ محورَيْ الأيديولوجيا (OI) والتاريخ (OH)، هما اللذان يحرّكان هذه الواقعة، ما يفضي إلى أنّ الواقعة السياسية (M) لا يمكن أن تخرج من إحداثيات هذه المحاور تماماً كما لا يمكن للواقعة المادية الخروج من محاور الفضاء الإقليدي.

وقياساً على ذلك، فإنّ كلّ النداءات الشعبية واستصراخ الدول الكبرى والمنظّمات الدولية والدول الإسلامية والعربية لن تغيّر في حركة الوقائع السياسية ما لم يكن القائمون عليها من المختصّين العالمين بحركة الوقائع السياسية وبعلم السياسة على أصوله الجامعة، كما ورد تفصيل ذلك في دراسة بعنوان “عقلنة السياسة في مواجهة الكذب والتدليس والخداع.. قناة الجزيرة مثالاً”، والتي فصّل فيها الدكتور يوسف الأسس والقواعد العلمية والقوانين المادية التي حكم علم السياسة.

إنّ القوانين العلمية المادية هي التي تسوق الواقعة السياسية وتسيطر على حركتها، ولذلك إنّ وقف الحرب في غزّة غير خاضع لا لنداءات الشعوب والأمم والدول والمنظّمات، بل هو محكوم بإدراك القوانين المادية التي تسيطر على الواقعة السياسية، ومن ثمّ العمل بها والإنسياق لها ما يفضي إلى إمكانية السيطرة على الواقعة السياسية، أسوة باكتشاف القوانين التي تحكم العلوم الأخرى كالطب والهندسة والصيدلة وغيرها والتي يفضي إدراك قوانينها الموضوعية إلى توظيف الوقائع الخاصة بها للخدمة العامة، كما تمّ توظيف معرفة قانون الجاذبية في اختراع الطيران ومساعدة الناس على التنقّل لمسافات بعيدة، أو اكتشاف العقاقير المضادة للأمراض وغيرها من الاكتشافات التي ساهمت في خدمة الإنسان والبشرية.


حسن هاشم

باحث مقيم ومسؤول عن قسم التحرير في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. حائز على إجازة في الاعلام من جامعة الجنان، طرابلس ـ لبنان.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى