قناة بنما… التنازع الجديد في النفوذ الصيني – الأمريكي

مع ارتفاع وتيرة التوترات الجيوسياسية  في العالم، تحوّلت قناة بنما إلى بؤرة تنازع بين الصين والولايات المتحدة. ففي حين تسعى بكّين إلى تعزيز سلطتها في القناة من خلال استثمارات استراتيجية، تنظر واشنطن إلى القناة باعتبارها ممرًا حيويًا للأمن الاقتصادي والقومي الأمريكي، ما يجعل من هذه القناة ساحة جديدة للتزاحم وبسط النفوذ بين القطبين الصيني والأمريكي.

وفي ظلّ العهد الجديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأ الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين يتحوّل إلى معركة شاملة على كافة الصعد، حيث لم تكن الحرب التجارية بينهما سوى البداية، لتمتدّ المواجهة لتشمل المناطق الإستراتيجية، وفي مقدمتها “قناة بنما”.

وتُعدّ قناة بنما شريان الحياة للتجارة العالمية، حيث تمتدّ على طول 82 كيلومترًا لتربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ. وتستقبل القناة أكثر من 14 ألف سفينة سنويًا، وتحقّق إيرادات لبنما تلامس 4 مليارات دولار سنويًا، ما يمثّل نحو 4% من الناتج المحلي للبلاد في عام 2024. ويتيح هذا الممرّ المائي للسفن عبور القناة في زمن يتراوح بين 8 إلى 10 ساعات، ما يسهُم في خفض كلفة الشحن بشكل ملحوظ.

ومن جانب آخر تعتبر القناة حلقة وصل حيوية تربط الساحل الشرقي للولايات المتحدة بكلٍّ من شرق آسيا والساحل الغربي للولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية، ويعني ذلك ربط المناطق الصناعية بين الولايات المتحدة والصين، وبالتالي فإنّها تشكل أحد أهمّ العناصر في خريطة التجارة العالمية. وتشكل السفن الأمريكية ما يقرب من 73% من حركة القناة، تليها السفن الصينية بنحو 22% ثمّ اليابانية بحصّة تصل إلى 15%. كما أن الاستثمارات الأمريكية في بنما قد بلغت حوالي 4 مليارات دولار سنويًا، في حين تقدر الاستثمارات الصينية بنحو 2.5 مليار دولار سنويًا.

النفوذ الصيني المتزايد في قناة بنما

أطلقت الصين مبادرة “الحزام والطريق” في عام 2013، وهي تهدف إلى إنشاء بنى تحتية متينة وتطوير الشبكات الملاحية والطرق والسكك الحديدية، لا سيما في الدول النامية. حيث تقدم بكين عروضًا مغرية لبناء مشاريع بنى تحتية في منطقة قناة بنما، ما يسهم في توسيع نفوذها في فضاء كانت السيطرة عليه تقليديًا بيد واشنطن. وتسعى الصين من خلال استثماراتها المتنوعة إلى ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ما يعكس تأثيرها المتزايد في مختلف مناطق العالم، بما في ذلك أمريكا الجنوبية، حيث يُعتبر هذا النفوذ تهديدًا للمصالح الأمريكية هناك. فقد أصبحت الموانئ الصينية في أمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي تُشكّل ما يقرب من 40 ميناء، وأبرزها الميناءان اللذان تديرهما شركة “Hutchison Whampoa” الصينية في القناة، وهما ميناء كريستوبال Cristóbal على المحيط الأطلسي شرقًا، وميناء بالبوا Balboa على المحيط الهادئ غربًا. وفي سياق مماثل، استحوذت شركة “لاندبريدج” على جزيرة مارغريتا، أكبر ميناء في بنما على الجانب الأطلسي من القناة، وسمح موقع الميناء للصين بالاستفادة من توسيع القناة، وهو ما يعكس عمق التغلغل الصيني في المنطقة.

وفي إطار الاتفاقية التي أبرمتها بنما مع بكين في عام 2017، تمكنت الشركة الصينية لهندسة الموانئ من الفوز بصفقة تتعلق بمشروع بناء الجسر الرابع الذي يمتد عبر القناة، بتكلفة تبلغ 1.3 مليار دولار، بحيث يغطي مسافة تصل إلى 4 أميال. وقد أثمرت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2018 عن إبرام بكين لمشاريع ضخمة تصل قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات. ومن بين هذه المشاريع، شركة “كوسكو” الصينية العملاقة للشحن، المملوكة للدولة، استحوذت على حصة 60% من الميناء بمبلغ 1.6 مليار دولار، والتي تهدف إلى تحويل القناة إلى نقطة محورية لحركة السفن الصينية، ما يمنحها الحقّ الحصري في استخدام الميناء لمدة 60 عامًا. وبهذا، أصبحت بنما أول دولة في منطقة أمريكا الوسطى والكاريبي توقّع على مبادرة “الحزام والطريق”، ما يدلّ على أنّ الوجود الصيني في بنما لا يقتصر على الأنشطة التجارية، بل يحمل في طياته رسالة واضحة إلى واشنطن بأن بكّين حاضرة في المنطقة على المستوى الجيوسياسي والاستراتيجي.

وقد سعت بكين بجهد حثيث لتأسيس سفارتها في بنما عند مدخل القناة، ولكن هذه المساعي قوبلت بعقبات جسيمة نتيجة الضغوط الأمريكية، ما جعل واشنطن تدق ناقوس الخطر، لكن في وقت متأخر قليلًا. حيث إن السيطرة على مداخل القناة تمنح بكّين ميزة استراتيجية تمكّنها من اجتياح تايوان وعزلها عن العالم، حيث تستطيع أن تمنع أو تؤخّر وصول التعزيزات الأمريكية إلى شرق آسيا، ما يتيح لها الهيمنة على المنطقة. وقد أشار وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو إلى هذه المخاطر حين قال “إذا طلبت منها الحكومة في الصين خلال أي صراع إغلاق قناة بنما، فسوف يتعيّن عليها فعل ذلك. وفي الواقع، ليس لدي أدنى شك في أن لديهم خطة طوارئ للقيام بذلك. وهذا تهديد مباشر”[1]، واصفًا القناة بأنها تطرح “مسألة خطيرة” تتطلب أقصى درجات الانتباه.

محاولة الولايات المتحدة استعادة السيطرة على بنما

ومع عودة دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، تتزايد الضغوط الأمريكية على بنما. فقد أطلق ترامب تصريحات جريئة في خطابه عندما أكد على استعادة بنما، قائلاً: “يجب على بنما أن تعاملنا بعدالة وفق المبادئ الأخلاقية والقانونية، لذا سنستعيد بنما ونفرض السيطرة عليها بشكل كامل وسريع وبدون أسئلة”. وقد جاءت هذه التصريحات في ظل مخاوف أمريكية واضحة من النفوذ المتزايد للصين في المنطقة. كما أشار ترامب إلى بكين قائلاً: “تنازل الرئيس جيمي كارتر بحماقة عن بنما، وكان الأمر متروكًا لبنما وحدها، وليس للصين أو أي جهة أخرى، ولن ندعها أبدًا تقع في الأيدي الخاطئة”.

إنّ ما يحدث في بنما يُظهِرُ بوضوح أنّ المسألة هناك ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي قضية سياسية بامتياز. ومن خلال ذلك، تُرسل واشنطن رسائل حازمة إلى الصين بأنها لن تسمح لبكين بتعزيز نفوذها في تلك المنطقة الحيوية. وفي هذا السياق، نفى رئيس بنما، خوسيه مولينو، بشكل قاطع أي تدخل صيني في إدارة القناة، مؤكدًا أن القناة ستظل ملكًا لبنما، إذ قال: “كل متر مربع من قناة بنما والمناطق المجاورة لها هو ملك لبنما وسيظل تابعًا لها”[2].

وخلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مارك روبيو، إلى بنما في 1 فبراير 2025، تجلت فعالية سياسة “العصا” التي تتبناها واشنطن تجاه حلفائها، حيث قدم الرئيس البنمي مولينو تنازلات تهدف إلى تهدئة الجانب الأمريكي، موضحًا: “لقد اتخذت قرارًا مهمًا وأود إبلاغكم به. لن تجدد حكومتي مذكرة التفاهم لعام 2017 بشأن مبادرة الحزام والطريق. هذا صحيح. سنتناول إمكانية إنهاء المشروع قبل الموعد المحدد. وأبدى مولينو استعداده لإعادة النظر في عقد الامتياز الذي يمتد لخمس وعشرين سنة والذي منح لشركة “Hutchison Whampoa” الصينية، التي تدير الموانئ، ما قد يتيح إطارًا قانونيًا يسمح بإلغاء تلك العقود وإعادة فتح المجال أمام الشركات الأمريكية. وجاء ذلك في سياق إعلان السلطات البنمية عن استعدادها للحوار مع المسؤولين الأمريكيين بشأن قضية عبور السفن الحكومية الأمريكية، ما يعد انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا لواشنطن في مواجهة بكين.

وفي هذا السياق، أدلى سفير جمهورية الصين الشعبية لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، بتعليق حول قرار بنما بالانسحاب من مبادرة الحزام والطريق، حيث اعتبره “مؤسفًا”. وأكد أن الحملة التشهيرية التي تقوم بها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى ضد هذه المبادرة “لا أساس لها من الصحة على الإطلاق”. وأضاف: “سنستمر في جهودنا على أمل أن يستطيع الجنوب العالمي العمل بشكل أفضل”. كما رفض كونغ الادعاءات الأمريكية المتعلقة بتورط بكين في إدارة القناة، واصفًا الاتهامات الموجهة لبلاده بأنها “كاذبة تمامًا”.

هل سيؤدي هذا التنازع إلى حرب؟

رغم تهديدات ترامب، فإنّه من غير المحتمل أن تقدم الولايات المتحدة على الاستيلاء على القناة. وفقًا للاتفاقات المبرمة في عام 1977، التي أدت إلى نقل إدارة القناة إلى بنما عام 1999، فقد تعهدت بنما بأن تبقى القناة مفتوحة أمام الدول كافة. ومع ذلك، تنص الاتفاقات على إدخال تعديلات من قبل الولايات المتحدة تسمح لها باستخدام القوة المسلحة بشكل أحادي “للدفاع عن القناة ضد أي تهديد”، وهو ما قد يبرره ترامب على غرار مبررات نظيره الروسي فلاديمير بوتين عند دخوله إلى أوكرانيا.

ويتضح لنا أن النزاع بين أمريكا والصين لا يقتصر على الجزيرة التايوانية فحسب، بل يكشف عن فجوة أخرى في العلاقات بين البلدين تتمثل في قناة بنما التي تمثل تحديًا بالغ الأهمية. وتشير مؤشرات الحروب العسكرية الكبرى، خاصة بين القوى العظمى، إلى احتمال ظهور أقطاب جدد في دورة تاريخية جديدة للنظام الدولي، وهو ما يثبته المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه “جوهر النظام الدولي” لعام 2022.

ويتطلب الأمر من الطرفين الانخراط بفاعلية في شبكة النظام العالمي المعقدة، لكن التصاعد المستمر في التوترات قد ينذر بصراعات غير مباشرة أو حروب بالوكالة، تشبه ما شهدناه في مناطق أخرى من العالم.


[1] Skynewsarabia.com, 22-01-2025, https://www.snabusiness.com/article/1771189.

 2arabic.rt.com, 20-01-2025,

أيهم بوشي

باحث مقيم ومسؤول عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة الصين في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والإقتصادية، لبنان – بيروت. حائز على شهادة الإجازة في الإقتصاد – إدارة أعمال من جامعة حلب في سوريا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى