الصين والسباق نحو القطبية العالمية: بين تطويق واشنطن وطموحات الهيمنة البحرية

الصين والسباق نحو القطبية العالمية: بين تطويق واشنطن وطموحات الهيمنة البحرية
تُعدّ مساعي الصين لبلوغ منزلة القطب العالمي، إحدى أبرز التحولات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، حيث بدأت الصين باتخاذ خطوات عملية وحاسمة لحماية مصالحها الوطنية وتعزيز موقعها الإقليمي والدولي. ومن خلال تطوير قدراتها العسكرية والبحرية، وتحديث بنيتها التحتية الدفاعية، واعتماد سياسات دبلوماسية متوازنة، تسعى الصين إلى تحقيق ردع فعّال يضمن عدم تفاقم أي تحرك تصعيدي من جانب الولايات المتحدة. كما يظهر أن هذه الاستراتيجية تنبع من فهم الصين للواقع المعقد الذي يفرض عليها ضرورة التعامل بحزم ومرونة في آنٍ واحد، ما يعكس رغبتها في تحويل نفسها من “قوة عظمى ناشئة” إلى لاعب أساسي في صنع القرار العالمي، متحدية بذلك القوى الغربية ولا سيما الولايات المتحدة، وهذا ما يدفع أمريكا لمحاربة الصين اقتصاديًا وجيوسياسيًا. فإن سعي واشنطن لكبح قوة بكين، قد ينجم عنه توترات عالمية، وقد ينذر باحتمالات تصعيد دولي قد يبلغ حدّ الانفجار النووي أو حتى إشعال حرب عالمية ثالثة.
الطوق الأمريكي حول الصين
فضلًا عن الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن ضد بكين، تمضي الولايات المتحدة في فرض طوق جيوسياسي محكم حول الصين، ضمن استراتيجية تطويق متعددة الأبعاد تبدأ من الشرق، حيث تُعد جزيرة تايوان نقطة ارتكاز أمريكية رئيسية، مدعومة بنفوذ شبه مطلق لواشنطن. تليها اليابان، التي تحتضن قاعدة “فوتينما” الجوية في أوكيناوا، وتستضيف نحو 47 ألف جندي أمريكي، ما يجعلها من أبرز مظاهر الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهادئ.
أما في كوريا الجنوبية، فثمة معسكر “همفريز”، وهو أكبر قاعدة أمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، حيث يفوق عدد سكانه عدد سكان بعض المدن الأمريكية، ويضم أكثر من 28,500 جندي، بتكلفة تجاوزت عشرة مليارات دولار.
ويمتد الطوق الأمريكي إلى المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، حيث تدعم واشنطن مواقف كل من الفلبين وفيتنام ضدّ الصين في صراع السيادة على جزر سبراتلي. كما تُعدّ هذه المنطقة شريانًا حيويًا في ترسيم النفوذ البحري، وتسعى واشنطن من خلالها إلى إعاقة تمدد بكين نحو المحيط الهادئ.
أمّا في الغرب، فإنّ الصين تُطلّ على أفغانستان، التي أصبحت تحت حكم حركة “طالبان” بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2021، ما قد تراه واشنطن فرصة لزعزعة استقرار الحدود الغربية لبكّين، خاصة مع التوترات المتكررة في الجنوب الغربي مع الهند.
أما في الشمال، فتسعى واشنطن أيضًا لتطويق بكين، إذ أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعدادًا للدخول في تفاهمات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، تسمح بخروج موسكو من الحرب في أوكرانيا بمكاسب ترضيها وضمانات أمنية أمريكية، وإعفائها من الرسوم الجمركية، مقابل فكّ ارتباطها الاستراتيجي مع بكين. هذه المناورات تعكس محاولة أمريكية حثيثة لتمزيق التحالف الصيني – الروسي.
ردّ الصين الاستراتيجي: تحالفات نووية وتغلغل اقتصادي في قلب مناطق النفوذ الأمريكي
لا يقتصر الردّ الصيني على الرسوم الجمركية فحسب، بل يتجلى في تحركات استراتيجية أوسع، تعكس فهمًا عميقًا لتوازنات القوة الدولية. فالصين تسعى إلى بناء شبكة من التحالفات والمواقف الداعمة لمصالحها، كما يظهر في استضافتها لمؤتمر ضم كلًا من إيران وروسيا، لمناقشة الملف النووي الإيراني. وقد عبّرت بكين خلال المؤتمر عن دعمها لحق طهران في امتلاك التكنولوجيا النووية[1]، في خطوة تتحدى السياسات الأمريكية، وتفتح الباب لاحتمال اندلاع مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وحلفاء الصين في المنطقة.
على الجانب الآسيوي، تبرز كوريا الشمالية كحليف استراتيجي رئيسي لبكين، لا سيما في ظل العلاقة التاريخية التي تعود للحرب الكورية (1950-1953)، حين دعمت الصين بيونغ يانغ بثلاثة ملايين جندي من “جيش المتطوعين الشعبي”. ولا تزال معاهدة الصداقة والتعاون والدفاع المشترك بين البلدين قائمة، ما يضيف بُعدًا عسكريًا قويًا بين البلدين.
أما على الجبهة الروسية، فرغم بعض التباينات بين موسكو وبكين، إلا أن تحالفهما يُعد مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة. فقد وقفت الصين إلى جانب روسيا خلال حربها مع أوكرانيا، داعمةً لها اقتصاديًا في مواجهة العقوبات الغربية. وهذا ما دفع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى التصريح بأن أحد أهداف واشنطن الاستراتيجية هو فكّ الارتباط بين الصين وروسيا.[2]
وفي القارة الأفريقية، حيث تتصاعد المنافسة على النفوذ بين بكين وواشنطن، أنشأت الصين بنكًا للتحويل المالي وقدّمته للأفارقة، فيما تقترب الديون الصينية على أفريقيا من حاجز التريليون دولار. وتهدف بكين من ذلك إلى كسب الولاء الأفريقي لمبدأ “صين واحدة” المتعلّق بتايوان، وتأمين دعم سياسي واسع في المحافل الدولية.
أما في أمريكا اللاتينية، والتي تُعرف تقليديًا بأنها “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، فقد نجحت الصين في التمدّد عبر دعمها لحكومات تتبنى مواقف معارضة للسياسات الأمريكية، مثل فنزويلا، كوبا، بوليفيا، وحتى كولومبيا والمكسيك مؤخرًا. وهذا ما يفسر السياسة العدائية لإدارة ترامب تجاه هذه الدول، كجزء من محاولة قطع الطريق على النفوذ الصيني، ويوضح أيضًا خلفية تصريحات ترامب عن ضم غرينلاند الجزيرة الواقعة شمال شرق كندا بين منطقة القطب الشمالي والمحيط الأطلسي[3]، لأجل قطع الطريق على بكين، حيث إن الصين هي أكبر مستثمر في الجزيرة، وأدرجت الصين غرينلاند كجزءٍ من طريق الحرير في إطار مبادرة الحزام والطريق، ما يعكس أهمية الجزيرة الاستراتيجية في التوسّع الصيني نحو القطب الشمالي، الذي من خلاله تسعى الصين لتطويق العالم اقتصاديًا. كما حاولت بناء مطارات في غرينلاند، بل وحتى شراء قاعدة بحرية أمريكية قديمة هناك[4]، لكن أمريكا تدخّلت لمنعها.
البحرية… أداة الصين للصعود العالمي
تسعى الصين بقوة إلى مزاحمة الولايات المتحدة على موقع الصدارة العالمية، ويتجلى ذلك بوضوح في جهودها للارتقاء في مجالات التقنية والقدرات العسكرية، خاصة في مجال القوة البحرية. فبحلول عام 2035، تطمح بكين إلى أن تصبح القوة البحرية الأولى في العالم من حيث الحجم والانتشار. ورغم ما حققته من تطور هائل في بناء الأسطول، لا تزال قدراتها القتالية الفعلية متأخّرة عن نظيرتها الأمريكية، التي تتمتع بخبرة عملياتية وتكنولوجيا متقدمة في أعالي البحار.
ويُظهر هذا التوجه استعداد الصين للدخول في سباق هيمنة قطبية، حيث تُعد السيطرة على البحار عنصرًا محوريًا في صعود القوى الكبرى. وقد أشار رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته التي حملت عنوان “النظام الدولي… وأعالي البحار والمحيطات” إلى أن صعود الأقطاب تاريخيًا كان مرتبطًا بامتلاكهم لأساطيل بحرية ضخمة تعبر الأمواج، وتغوص في أعماق البحار، وتسيطر على أعالي المحيطات وطرق الملاحة التجارية[5] وهذا الإدراك لا يقتصر على الصين وحدها، بل تعيه واشنطن تمامًا، وهو ما يفسر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث عن رفع ميزانية الدفاع إلى تريليون دولار[6]، في إشارة واضحة إلى قلقهما المتزايد من التحديات الصينية البحرية وتداعياتها الجيوسياسية.
وعلى الرغم من اختلاف القدرات العسكرية بين البلدين، يبقى التحكم في البحار عنصرًا حيويًا سيساهم في تحديد مستقبل النظام الدولي. ويمكن أن تؤدي هذه المنافسة إلى تحولات جيوسياسية معقدة، يتعين على العالم الاستعداد لها، إذ قد تكون بداية لفصل جديد من التوترات التي قد تؤثر بشكل عميق على مجالات متعددة، بدءًا من الاقتصاد وصولًا إلى الأمن الدولي.
[1] arabic.rt.com,14-03-2025, ar.rt.com/zgyr.
[2] arabic.rt.com, 26-02-2025, ar.rt.com/zd5m.
[3]bbc.com, 26-01-2025, www.bbc.com/arabic/articles/cpwxykl1n9jo.
[4] mc-doualiya.com, 08-01-2025, mc-d.co/256E.
[5] icgers.com, 29-05-2023, wp.me/pfdSn9-hY.
[6] bloomberg.com,08-04-2025, www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-07/trump-hegseth-tout-1-trillion-us-defense-budget?utm_source=website&utm_medium=share&utm_campaign=copy.
