الشائع

الصراع المحتمل في جنوب شرق آسيا.. الفلبيّن منطلَقًا للمواجهة الصينية – الأمريكية

عملت الولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على انتهاج سياسة احتواء استراتيجي طويلة الأمد ترتكز على تعزيز تحالفها الدفاعي وحشد وتوحيد الصفوف مع مجموعة من حلفائها الرئيسيين في آسيا، لا سيما اليابان والفلبين وتايوان وفيتنام، لمواجهة الصين ونفوذها المتنامي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقد شهد التحالف الأمريكي – الفلبيني تطوّرًا على الصعيدَيْن الأمني والدفاعي، وتحديدًا منذ بلوغ الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن الحكم في يونيو 2022، بتوسيعه اتفاق “التعاون الدفاعي المعزز 2014” الذي يمنح الإذن لواشنطن بإقامة 4 قواعد عسكرية جديدة في جزرها إضافة إلى قواعدها الخمس السابقة، والتي تقع إحداها قرب تايوان والأخرى في بحر الصين الجنوبي.

كما يظهر تعزيز روابط التحالف الأمني والاستراتيجي بين مانيلا وواشنطن وحلفائهما بحجم ونطاق المناورات العسكرية المشتركة المكثفة التي جرت في الآونة الأخيرة بينهم، لاسيما مناوراتَيْ “باليكاتان” في أبريل 2025 و”كامانداج” في مايو 2025، قرب تايبيه وجزر سبراتلي وسكاربورو شول المُتنازع على سيادتها بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي الذي يشهد في الوقت عينه مستوى غير مسبوق من التوترات نتيجة وقوع سلسلة من الحوادث والاحتكاكات المتكررة بين القوات البحرية الفلبينية والصينية قرب الأجزاء المُتنازع عليها.

وهي خطوات تثير رد فعل قوي من جانب الصين التي ترى بذلك تقويضًا للسلام والاستقرار الإقليميين، وتشير أيضًا إلى تكريس واشنطن بشكل أكبر وجودها العسكري والبحري في الفلبين والبحر وسط مخاوف من غزو صيني محتمل لتايوان، حتى أصبحت مانيلا – التي لم تعد اليوم مجرد حليف استراتيجي تقليدي للولايات المتحدة – نقطة انطلاق وقاعدة أمامية تسهِّل نشر الوجود العسكري الأمريكي في بحر الصين الجنوبي للدفاع عن تايبيه، وذلك لإدراك الولايات المتحدة الأمريكية بقدرة الفلبين – التي تقع على مقربة من تايوان وتطل على الصين وتشترك معها في بحر الصين الجنوبي – على لعب دور محوري في حال إقدام بكين على غزو تايوان التي تبعد 142 كيلومترًا فقط عن جزيرة يامي الفلبينية التي هي أقرب إلى البرّ الرئيسي التايواني من البر الرئيسي الفلبيني.

ولكن ما هي دوافع ونتائج تحول الفلبين إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ؟

جزيرة لوزون مفتاح الاستراتيجية الأمريكية

قامت الولايات المتحدة الأمريكية في أبريل 2024 بنشر منظومة صواريخ متوسطة المدى “تايفون” ومخصصة لإطلاق صواريخ إس إم-6 وتوماهوك في جزيرة لوزون أكبر جزر الفلبين، قبل أن تقوم بنقلها إلى موقع آخر على الجزيرة ذاتها في يناير 2025.[1] 

كما تعمل واشنطن على إعادة تأهيل المدرج الموجود على جزيرة تينيان الأمريكية الذي منه انطلقت الطائرات الأمريكية لإطلاق القنابل الذرية على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وأيضًا إعادة نشر طائراتها الحربية على مجموعة واسعة من القواعد الجوية لدى حلفائها لا سيما جزيرة لوزون التي تضم 7 مدارج مناسبة للاستخدام – بهدف عدم تجميعها في هدف كبير وسهل للصين – وفقًا لما صرح به نائب مدير العمليات الجوية والفضاء السيبراني في القوات الجوية الأمريكية بمنطقة المحيط الهادئ مايكل وينكلر حسبما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”.[2]

وعلى الرغم من أن واشنطن كانت قد عززت وجودها في عدد من القواعد الجوية الكبيرة لدى حلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أنَّ القواعد الجوية في لوزون هي الأقرب إلى تايوان من القواعد الجوية الأمريكية الموجودة في جزر أوكيناوا وكيوشو اليابانيتين وفي جزيرة غوام الأمريكية.

وقد يكون ذلك تمهيدًا لتكون لوزون هي منطلق الجيش الأمريكي للدفاع عن تايوان ومهاجمة الصين التي تسعى لأن تكون القطب العالمي المكافئ للولايات المتحدة اليوم، كما كانت جزيرة تينيان إبان الحرب العالمية الثانية المنطلق لمهاجمة اليابان التي كانت آنذاك قطبًا عالميًّا في النظام الدولي.

الفلبين وواشنطن: عودة قويّة لتحالف قديم

إن النهج الذي يتبعه الرئيس الفلبيني الحالي فرديناند ماركوس الابن – وهو نجل الرئيس الفلبيني السابق فرديناند ماركوس الأب الذي حكم البلاد في الفترة بين 1965 و1986 – في تعزيز روابط التعاون الأمني والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، هو امتداد لنهج والده خلال فترة حكمه بدعم من حليفته واشنطن التي كانت تجري المناورات والتدريبات المشتركة في بلاده وتمتلك قاعدتَيْن عسكريتَيْن كبيرتَيْن شمال مانيلا[3].

ويبرز التحالف الفلبيني – الأمريكي في عهد ماركوس الابن بشكل أوضح وأوثق وأكثر تشددًا وصرامة تجاه الصين وفي الدفاع عن مطالب بلاده في بحر الصين الجنوبي.

فقد وسّع ماركوس الابن نطاق وصول واشنطن إلى قواعدها العسكرية في مانيلا حتى أصبحت 9 قواعد، والتي قد تستخدمها واشنطن للدفاع عن تايوان في حال دخول الصين إليها، كما استخدمت قاعدتيها العسكريتين اللتين كانتا في شمالي مانيلا في عهد ماركوس الأب لنشر قواتها خلال حرب فيتنام في ستينيات القرن العشرين.

كما تقدم واشنطن لمانيلا اليوم في عهد ماركوس الابن دعمًا عسكريًّا واقتصاديًّا لمقارعة الصين التي تسعى أن تكون القطب المكافئ لها ولضمان بقاء الولايات المتحدة القطب الأول في النظام الدولي، أكبر من الدعم الذي قدمته لها في عهد ماركوس الأب الذي حكم البلاد وفقًا للأحكام العرفية لما يقارب من عشر سنوات لمكافحة الشيوعية المتمثّلة بـ”الحزب الشيوعي الفلبيني” وجيشه الشعبي الجديد ومقارعة الاتحاد السوفياتي القطب المكافئ لها وضمان بقاء نفوذها في المنطقة آنذاك.

كما عمل ماركوس الابن على ترفيع علاقات وشراكات بلاده الاستراتيجية إلى مستويات جديدة مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تربطهم بها فقط علاقات اقتصادية ودبلوماسية في عهد والده[4]، حتى أصبحت مانيلا اليوم ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية ودفاعية على هيئة اتفاقيات تعاون دفاعي أو صفقات عسكرية مع كلّ من كوريا الجنوبية والهند وأستراليا واليابان التي تنضوي في أحلاف تقودها واشنطن التي تسعى إلى ضمّ مانيلا إليها.

فقد أكدت صحيفة “فاينانشال تايمز” في أبريل 2024 أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تعتزم إجراء محادثات بشأن ضم أعضاء جدد إلى تحالف “أوكوس” (AUKUS) الذي يضم بالإضافة إليها كلًا من بريطانيا وأستراليا[5]، وتُعد الفلبين المرشح الطبيعي للانضمام إلى هذا الحلف باعتبارها من أهم الحلفاء في آسيا بالنسبة للأعضاء الثلاثة.

وقد أكد ماركوس الابن في مارس 2024 أنّه يتوقع أن تضفي الفلبين طابعًا رسميًا على التعاون الثلاثي مع الولايات المتحدة واليابان[6]، في إشارة إلى نية الانخراط معهما بالإضافة إلى كوريا الجنوبية في حلف “JUSK”.

كما تسعى واشنطن لضمّ مانيلا إلى تحالف “كواد” (QUAD) الذي يضم بالإضافة إليها كلًا من اليابان وبريطانيا والهند، لينشأ الحزام المتوسط الأقرب لإحاطة الصين ومحاصرتها، لكونه تحالفًا استراتيجيًّا نوويًّا قادرًا على نشر غواصات تحمل أسلحة نووية في بحر الصين الجنوبي ومنع الأسطول الصيني وغواصاته من التحرك والابحار وغزو تايوان وضرب البر الصيني الرئيسي[7].

اختلال ميزان القوى العسكري

تكشف نتيجة قياس موقع “Global Firepower” المتخصص في الإحصاءات والبيانات العسكرية لمختلف الدول، القوة العسكرية لدى الفلبين مقابل القوة العسكرية للصين لعام 2025، حيث يميل الميزان وبشدة إلى بكين التي تحتل المرتبة الثالثة بينما تأتي مانيلا في المرتبة الـ41 بين 145 دولة.

وتوضح البيانات أنّ الصين – التي تواصل تطوير قدراتها العسكرية والدفاعية البرية والبحرية والجوية بصورة مُتسارعة – تتفوق عسكريًا وبوضوح على الفلبين في مختلف المجالات العسكرية، بينما لا تتفوق الفلبين عليها إلا في شدة القوة الجيوسياسية، حيث يمتد طول الساحل الفلبيني حوالي 36 ألف كيلومتر، وهو بذلك أطول من طول الساحل الصيني الذي يبلغ حوالي 15 ألف كيلومتر[8].

ختامًا

مع ظهور إرهاصات الصراع في تلك المنطقة وارتفاع خطر اندلاع حرب واسعة بعد دخول الصين إلى تايوان ودخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب لمساندة تايبيه واستخدام قواعدها العسكرية المتواجدة في الفلبين، وبالتالي اعتبار بكّين الفلبين هدفًا مشروعًا لها، وجدت مانيلا نفسها مضطرة لتعزيز علاقاتها العسكرية والأمنية مع واشنطن وحلفائها التي بدورها حولتها إلى قاعدة أمامية تسهل نشر الوجود العسكري الأمريكي في بحر الصين الجنوبي للدفاع عن تايوان، وجعلتها في مرمى نيران الصين وربما حليفتها كوريا الشمالية وبات الخطر عليها شديد كالخطر الذي يقع بكوريا الجنوبية واليابان.

إلّا أنّ ذلك يمنح الفلبين القدرة على مقارعة الصين إذا ما قررت الأخيرة تصعيد المواجهات العسكرية في بحر الصين الجنوبي أو غزو تايوان، حيث لا طاقة لمانيلا وحدها أن تقارع الصين أو أن تؤمّن الحماية للبر الفلبيني الرئيسي كما فعلت الصين لحماية برّها الصيني الرئيسي بقيامها بردم شعبٍ مرجانية طبيعية في بحر الصين الجنوبي وبناء جزر اصطناعية وتسليحها ووضع دفاعات عليها لتكون مراكز متقدمة للدفاع عن ساحلها في حال اندلاع الصراع في المنطقة[9].

كما لا طاقة أيضًا بالولايات المتحدة الأمريكية – الملزمة بالدفاع عن مانيلا وفقًا لـ”التعاون الدفاعي المعزز 2014″ – ألا تدافع عن مانيلا التي تعتبرها حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو (MNNA) وتمنحها امتيازات عسكرية واقتصادية لا يتمتع بها إلا الأعضاء من داخل الناتو[10]، لأنها تدرك أن الهزيمة مؤكدة إذا سيطرت الصين على جزيرة لوزون الواقعة خلف تايوان تمامًا ولا يفصلها عنها سوى جزءٍ من بحر الصين الجنوبي.

ولكن في ظل التهديدات الصينية التي باتت جدية، هل تخذل الولايات المتحدة الفلبين مجددًا، ولا سيما مع تدنّي مستوى الثقة لدى مانيلا في مدى التزام واشنطن بالدفاع عن حقوقها السيادية في البحر في ظل التجربة التاريخية السابقة عام 2012 عندما استولت الصين على منطقة سكاربورو شول؟


[1] rt.com, 23-01-2025 https://ar.rt.com/z53e

[2] asharq.com, 20-10-2024, https://asharq.co/nq2yc

[3] asharq.com, 08-05-2023, https://asharq.co/9dyez

[4] theguardian.com, 29-06-2023, https://www.theguardian.com/world/2023/jun/30/a-year-of-marcos-jr-how-a-dictators-son-has-changed-the-philippines

[5]asharq.com,07-04-2024, https://asharq.co/pngjy

[6]youm7.com, 13-03-2024, https://www.youm7.com/6510293

[7] د. محمد وليد يوسف، دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة (الجزء الثاني)، المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، 23 مايو 2023، ص 16 و18 و19.

[8] https://www.globalfirepower.com/countries-comparison-detail.php?country1=philippines&country2=china

[9]rcssegypt.com, 28-02-2025, https://rcssegypt.com/20486

[10]state.gov, 20-01-2025, https://www.state.gov/major-non-nato-ally-status/#:~:text=Major%20Non%2DNATO%20Ally%20(MNNA,%2C%20testing%2C%20or%20evaluation%20purposes


حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى