أستراليا بين واشنطن وبكين: قراءة في تزامن مناورة "تاليسمان سايبر" وزيارة ألبانيزي إلى الصين

بدأت القوات الأسترالية والأمريكية في 13 يوليو، تنفيذ مناورة “تاليسمان سايبر 2025″[1]، أحد أكبر التمارين العسكرية الثنائية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتي تُنظّم كل عامين بهدف تعزيز الجاهزية القتالية وتأكيد متانة الشراكة الدفاعية بين الجانبين. ويُنظر إلى نسخة هذا العام باعتبارها الأضخم والأكثر تطورًا على الإطلاق، بمشاركة نحو 40 ألف جندي من 19 دولة، منهم 15 ألف جندي من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وتشمل هذه التدريبات عمليات متعددة المجالات: برية، بحرية، جوية، فضائية، وسيبرانية في ظل بيئة أمنية إقليمية تشهد تصاعدًا في حدة الاستقطاب العسكري والتوترات الجيوسياسية.
لكن ما يلفت الانتباه هو التزامن اللافت بين هذه المناورة الكبرى، وزيارة رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إلى العاصمة الصينية بكين[2]، حيث التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ، في أول زيارة من نوعها منذ عدة سنوات. زيارةٌ توصف بأنها مسعى حذر لإعادة ضبط العلاقات الثنائية، بعد فترة طويلة من التدهور والتوتر بين البلدين، خاصةً على خلفية النزاع التجاري المتصاعد، والقضايا الأمنية ذات الطابع الاستراتيجي كاستثمارات البنية التحتية، والتدخلات الخارجية، والموقف من تايوان.
وتُجسّد هذه الخطوات المتزامنة توجه أستراليا لاعتماد سياسة توازن استراتيجي، تسعى من خلالها إلى عدم الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد بين واشنطن وبكين. فمن جهة، لا تزال أستراليا جزءًا فاعلًا من التحالفات الغربية بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك شراكة ” “AUKUSالأمنية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. والرباعية “QUAD” التي تضم الولايات المتحدة، واليابان، والهند، وأستراليا. ومن جهة أخرى، تدرك كانبرا أهمية الصين باعتبارها شريكها التجاري الأول، وتحرص على تجنب المزيد من التدهور في العلاقات الاقتصادية، خاصة بعد ما شهدته صادراتها الزراعية والمعدنية من قيود وعقوبات غير رسمية خلال السنوات الأخيرة.
لا تقتصر أهمية “تاليسمان سايبر 2025” على الجوانب التدريبية والتكتيكية فحسب، بل تحمل أيضًا رسائل سياسية واستراتيجية واضحة. كإطلاق أول صواريخ “HIMARS” من الأراضي الأسترالية، واستخدام أنظمة روبوتية ومسيّرات متقدمة، بالإضافة إلى تشغيل صواريخ SM-6 من منظومة Typhon خارج الأراضي الأميركية[3].
وإجراء مناورة بمشاركة قوات من اليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وغيرها، يُبرز الدور المتنامي لأستراليا ضمن شبكة التحالفات الغربية الرامية إلى “احتواء النفوذ الصيني”، خاصة في ظل التوتر المتزايد في بحر الصين الجنوبي وتعهد وزير الدفاع ريتشارد مارليس مع نظيره البريطاني جون هايلي بأن أستراليا ستقاتل مع المملكة المتحدة من أجل تايوان في حال نشوب حرب مع الصين.[4]
وفي المقابل، تحمل زيارة رئيس الوزراء الأسترالي إلى الصين دلالات دبلوماسية مهمة. فهي تسعى إلى إعادة قنوات الحوار وفتح ملفات التعاون الاقتصادي، بعد فترة من الجمود. إلا أنّ هذه التهدئة تظل مشروطة ومحفوفة بالتحديات، خصوصًا مع استمرار أستراليا في التعبير عن مخاوفها حيال القضايا الجيوسياسية، والأمن السيبراني، ومحاولات التأثير الصيني في السياسة الداخلية لدول المنطقة.
شراكة اقتصادية ومنافسة جيوبوليتيكية “معادلة غير مستقرة”
العلاقة بين أستراليا والصين تعيش مفارقة معقدة بين ترابط اقتصادي شديد وتنافس جيوبوليتيكي متصاعد. الصين تمثل الشريك التجاري الأهم لأستراليا، إذ تستحوذ على حصة ضخمة من صادراتها في مجالات الطاقة والمعادن والزراعة. لكن في المقابل، تتزايد مؤشرات الصدام في صراع نفوذ في جزر الباسيفيك. والمخاوف الأمنية من استثمارات صينية في بنى تحتية حساسة مثل ميناء داروين، وخاصةً بعد تعهد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز قبل إعادة انتخابه، بإعادة الميناء إلى الأيدي الأسترالية[5]. وانخراط أستراليا في تحالفات تُنظر إليها في بكين كأدوات تطويق.
هذا التعايش بين التعاون والريبة يضع أستراليا أمام معادلة معقدة لا تخضع لمنطق الصفر أو الواحد، بل تتحرك ضمن “طيف سياسي” واسع، كما يطرحه الدكتور محمد وليد يوسف، في كتابه “السياسة – القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية”، حيث تتعدد الحالات وتتشابك الاحتمالات
الخلاصة: سياسة “الحبل المشدود“
تُجسّد أستراليا اليوم نموذجًا للدول المتوسطة التي تسعى لاتباع سياسة “الحبل المشدود“ في بيئة جيوسياسية مضطربة. فهي من جهة متمسكة بتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وشركائها الغربيين، ومن جهة أخرى تحاول تجنّب القطيعة الكاملة مع الصين، إدراكًا لحجم الترابط الاقتصادي بينهما.
يبقى التحدي الأكبر: هل يمكن لأستراليا أن تحافظ على هذا التوازن طويل الأمد؟ وهل ستجد نفسها يومًا مجبرة على اتخاذ خيار واضح بين الحليف الاستراتيجي التقليدي (الولايات المتحدة) والشريك الاقتصادي الحيوي (الصين)؟
[1]https://www.defence.gov.au/news-events/news/2025-07-29/projecting-air-power-readiness-talisman-sabre
[2]https://www.theaustralian.com.au/subscribe/news/1/?sourceCode=TAWEB_WRE170_a&dest=https%3A%2F%2Fwww.theaustralian.com.au%2Fworld%2Fan-improvement-from-anthony-albanese-on-china-from-a-low-bar-but-there-is-not-much-substance-to-this-tour%2Fnews-story%2Fa4fada2e9797bafb73437cd1e468b4b9&memtype=anonymous&mode=premium&v21=GROUPB-Segment-2-NOSCORE&V21spcbehaviour=append
[3] https://www.asianmilitaryreview.com/2025/07/australia-hosts-the-largest-ever-talisman-sabre-exercise-foc/
[4] https://www.thetimes.com/uk/defence/article/australia-and-uk-will-deter-china-together-defence-secretary-says-fpdhjkwb9
[5] https://www.ft.com/content/1d503288-85bf-44fb-9ec5-0c18ace65c09
