الخاصرة الرخوة للبحر الأحمر: تفكك إثيوبيا وإعادة رسم جغرافية النفوذ

تمر إثيوبيا في هذه المرحلة بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة يعيد صياغة خرائط النفوذ الجيوسياسي والجيوستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي ومحيط البحر الأحمر، إذ لم تعد التطورات المتسارعة في أقاليم الشمال والوسط مجرد ارتدادات لصراعات عرقية داخلية، بل تحولت إلى مخاض معقد يهدد بنية الدولة الفيدرالية برمتها ويتقاطع بعمق مع مصالح التجارة الدولية وأمن الملاحة العالمية وممرات الطاقة. ومع تداعي اتفاق بريتوريا للسلام وتبدد الوعود بتثبيت الاستقرار، عادت لغة السلاح والصدام المباشر لتفرض نفسها على المشهد الميداني، بدءاً من تجدد المواجهات الكبرى في إقليم تيغراي وتشكيل ما يسمى بـ “تحالف البقاء” المناهض لسلطة أديس أبابا، وصولاً إلى السباق نحو المدن الاستراتيجية الحيوية مثل (مقلي وأديغرات وزالامبسا) على الحدود الإريترية. هذا التصعيد الميداني ترافق مع إعلان الحكومة الفيدرالية عن إدارة انتقالية مدتها ستة أشهر في تيغراي وسط رفض وانقسام داخلي عميق يطعن في شرعيتها ويقوض أي أفق للحل السياسي المستدام، فضلاً عن استنزاف الجيش الإثيوبي على جبهات متعددة ومزامنة المعارك مع مواجهات حادة تخوضها قوات الحكومة ضد ميليشيات فانو في إقليم أمهرا واضطرابات أوروميا، ما جعل القدرات المركزية لأديس أبابا تتآكل تحت وطأة جبهات استنزاف مفتوحة تضغط بشدة على الموازنة العامة وتفاقم من حدة التضخم وانهيار العملة المحلية.
ولا يمكن فصل هذا التصدع الداخلي عن التقاطعات الإقليمية والدولية الأوسع التي تجعل من الساحة الإثيوبية حجر أساس في معادلات الأمن القومي العربي والأفريقي، وخصوصاً فيما يتعلق بالصراع الحاسم على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب. فالتداخلات الجيواستراتيجية تتشابك بشكل مباشر مع أزمة الملاحة الدولية، ولا سيما مع سعي أديس أبابا المستميت لكسر طوق العزلة الجغرافية والوصول إلى منفذ بحري، وهي الطموحات التي اتخذت طابعاً صدامياً إثر الاتفاقية المثيرة للجدل مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، والتي أدت بدورها إلى صدام دبلوماسي وأمني أعاد رسم التحالفات في القرن الأفريقي، فقد دفعت هذه الخطوة العبثية بكل من مقديشو والقاهرة إلى تقارب استراتيجي غير مسبوق لحماية وحدة الأراضي الصومالية وتأمين الأمن المائي ومداخل البحر الأحمر، لتجد مصر نفسها في قلب المشهد عبر تعزيز حضورها العسكري والدبلوماسي في الصومال، مستندة إلى رفض جماعي لأي مساس بسيادة الدول المطلة على البوابة الجنوبية. وتتضاعف خطورة هذه التعقيدات مع توظيف أطراف إقليمية ودولية حالة الضعف الإثيوبي، إذ يتدخل شبح الحوثيين في اليمن ومعادلات النفوذ الإقليمي ليزيد من هشاشة الممر المائي الحساس، لاسيما وأن أي فراغ أمني أو تفكك إضافي في إثيوبيا سيمنح الميليشيات والجماعات العابرة للحدود فرصة أكبر للتحرك عبر الممرات المائية، مما يهدد حرية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية للطاقة، ويضع الأمن القومي للسعودية ودول الخليج ومصر أمام تحديات وجودية مباشرة تحتم مراقبة هذا الامتداد الجغرافي عن كثب.
وعلى الصعيد الجيو-اقتصادي والتنافس الدولي، يمتد تأثير الأزمة الإثيوبية ليلامس المصالح الاقتصادية الكبرى للشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الصين، التي تمتلك استثمارات ضخمة في البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية ضمن استراتيجية “الحزام والطريق”، حيث باتت هذه الاستثمارات مهددة بالتعطل جراء شلل سلاسل الإمداد ومخاطر العجز عن سداد الديون، مما يفتح الباب أمام تنافس دولي محتدم بين واشنطن وبكين وموسكو لإعادة تموضع نفوذها في القرن الأفريقي. كما يتشابك ملف سد النهضة والمياه كأداة ضغط جيوسياسية حاسمة، إذ إن تراجع استقرار المركز في أديس أبابا قد يدفع القيادة الإثيوبية إلى توظيف الملف المائي والتصعيد فيه كوسيلة لتصدير الأزمات الداخلية وحشد الشعور القومي، أو على العكس، قد يفرغها من القدرة على فرض شروطها الأحادية أمام الضغوط المصرية والسودانية. وعلى الصعيد السوداني المأزوم، تتداخل تداعيات الحرب الإثيوبية مع أزمة السودان الداخلية، حيث تتحول الحدود المشتركة إلى بيئة خصبة لتبادل النفوذ العسكري وتسليح الوكلاء، مما ينذر بخلق قوس متصل من الفوضى والهشاشة يمتد من عمق القرن الأفريقي وصولاً إلى ضفاف البحر الأحمر المشتعلة أصلاً بالتوترات اليمنية والخليجية.
وأمام هذه المعطيات المتشابكة والبالغة التعقيد، تتقاطع وتتصارع عدة مسارات ورؤى مستقبلية لتحديد ملامح المرحلة القادمة في المنطقة، أولها سيناريو الاستنزاف الهيكلي والتفكك الزاحف الذي يتوقع فشل الإدارة الانتقالية في تيغراي وعجز أديس أبابا عن الحسم العسكري، مما يتحول بالأقاليم الإثيوبية إلى كيانات مسلحة دائمة الضغط على المركز، ويُبقي الدولة في حالة شلل استراتيجي يعرقل مشاريعها التوسعية ويحد من قدرتها على فرض معادلات بحرية أو إقليمية جديدة. وثانيها سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل الذي يتحقق إذا خرجت الاحتكاكات الحدودية مع إريتريا والتوترات المتصاعدة مع الصومال ومصر عن السيطرة، لتتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تتقاطع فيها طموحات الحوثيين وتدخلات القوى الدولية، وتُعيد هندسة تحالفات القرن الأفريقي وحوض النيل بأسرها على أنقاض الدولة الفيدرالية الإثيوبية. وثالثها سيناريو التسوية القسرية المدارة عبر ضغوط إقليمية ودولية مكثفة تقودها عواصم عربية وغربية لفرض هدنات هشة واحتواء الطموحات المفرطة لأديس أبابا، بهدف منع انهيار الدولة كلياً تفادياً لكارثة إنسانية وجيوسياسية واسعة النطاق تهدد استقرار الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر بأسره.