جوهر الاستراتيجية الصينية تجاه إيران

تربط الصين وإيران علاقات حضارية تاريخية طويلة، إلا أن علاقاتهما الدبلوماسية لم تُرسَم رسميًا إلا عام 1971 عندما اعترفت إيران (في عهد الشاه) بجمهورية الصين الشعبية. ومع قيام الثورة الإسلامية عام 1979، رأت بكين في ابتعاد طهران عن الغرب فرصة لتعزيز التعاون الثنائي. وخلال ثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما في أثناء حرب الخليج الأولى (الحرب الإيرانية – العراقية)، برزت الصين بوصفها أحد أبرز مورّدي السلاح إلى إيران، إذ تدفقت إليها منظومات عسكرية متنوعة، من الدبابات إلى الصواريخ المضادة للسفن، وقد قُدِّرت قيمة مبيعات الأسلحة الصينية بين عامي 1984 و1986 خلال حرب الخليج الأولى (الحرب الإيرانية – العراقية) حوالي 1.6 مليار دولار، تضمنت 12 طائرة مقاتلة من طراز (J-6) و200 دبابة (T-59) ومدافع مضادة للدبابات[1]. وأسهم هذا التعاون العسكري في ترسيخ أسس علاقة أمنية متينة بين الطرفين.
وفي تسعينيات القرن الماضي، دعمت الصين كذلك البرنامج النووي الإيراني الناشئ عبر بناء مفاعلات بحثية ومنشآت مساندة[2]، قبل أن تدفع الضغوط الأمريكية في منتصف العقد بكين إلى تقليص تعاونها النووي المباشر. وعلى الرغم من ذلك، حافظت الصين على نهج ثابت يقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، معارضةً مساعي العزلة التي تبنّاها الغرب. وكانت بكين من أوائل الأطراف المشاركة في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة). وعلى امتداد هذه العقود، عملت طهران وبكين على تطوير ما تصفانه بشراكة استراتيجية، تخلو من الإرث التاريخي السلبي الذي يعقّد علاقات الصين مع بعض القوى الأخرى.
في المرحلة الراهنة، وخلال التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أُخرى، حرب الخليج الرابعة (الأمريكية – الإسرائيلية على إيران) 28 فبراير 2026، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن الصين لم تقدّم دعمًا يُذكر لحليفتها إيران خلال الحرب، غير أن الواقع يفيد بغير ذلك.
إذ قدّمت الصين أشكالاً متعددة من الدعم غير المباشر، جمعت بين المساندة التقنية الاستراتيجية والغطاء الدبلوماسي، مع الحرص على تجنّب الانخراط العسكري المباشر.
ففي المجال العسكري – التقني، أشارت تقارير استخباراتية إلى رصد سفن إيرانية تنقل مادة “بيركلورات الصوديوم” من موانئ صينية[3]، وهي مادة كيميائية أساسية تدخل في تصنيع الوقود الصلب للصواريخ الباليستية. كما قامت بكين بتزويد طهران بمكونات تكنولوجية تُستخدم في تطوير الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز المضادة للسفن[4]، وهو ما يعزز القدرات الإيرانية في مجال الضربات بعيدة المدى. بالإضافة إلى الصواريخ المحمولة على الكتف، والمعروفة باسم “MANPADS”[5]، القادرة على إسقاط الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض.
أما على الصعيد المعلوماتي والتقني، فقد أتاحت الصين لإيران استخدام نظام الملاحة الفضائي “BeiDou”[6] الذي يُعد بديلاً لنظام “GPS” الأمريكي، وساعد في تحسين دقة التوجيه للصواريخ والطائرات المسيّرة. كما قامت شركة “MizarVision” الصينية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني والبرمجيات، والتي تمتلك الحكومة الصينية حصة صغيرة فيها، بنشر صور مفصلة للأقمار الصناعية مع بيانات تعريفية لمواقع عسكرية أمريكية متعددة في الفترة التي سبقت الحرب وأثناءها[7].
وفي المجال الدبلوماسي والسياسي، انتقدت الصين بقوة الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران داخل مجلس الأمن، معتبرةً أنها تمثل السبب الجذري للأزمة، وداعية إلى وقف فوري للعمليات العسكرية. وفي الوقت نفسه، حاولت بكين تقديم نفسها وسيطًا يدعو إلى التهدئة، وسعت إلى تسهيل جهود وقف إطلاق النار، بما يحفظ مصالحها الاقتصادية ويضمن استقرار تدفقات الطاقة.
اقتصاديًا، واصلت الصين استيراد النفط الإيراني رغم التصعيد، ما أسهم في تخفيف الضغوط المالية على طهران، ووفّر لها موردًا حيويًا لمواجهة تكاليف الحرب والعقوبات، وهو ما عُدَّ أحد أهم أشكال الدعم غير المباشر.
فالصين هي المشتري الأول، والوحيد تقريبًا، إذ تستوعب ما يقرب من 90% من صادرات النفط الإيرانية. وبحسب بيانات تتبع الناقلات، استمرت الصادرات بمعدل لا يقل عن 11.7 مليون برميل من النفط الخام عبر مضيق هرمز منذ بدء الحرب، وكانت جميعها متجهة إلى الصين[8]، وهو مستوى لم يتأثر بشكل كبير بالتهديدات العسكرية الإسرائيلية أو الأمريكية للمنشآت النفطية. وتتم معظم هذه الصفقات باليوان الصيني عبر بنوك صغيرة (مثل بنك كونلون) غير مرتبطة بالنظام المالي العالمي[9]، ما يحمي طهران من الحظر المفروض على نظام “سويفت” ويوفر لها سيولة نقدية فورية لتمويل عملياتها العسكرية ودعم وكلائها. وهذا الدعم المالي غير المباشر يتكامل مع الدعم الاستخباراتي (صور الأقمار الصناعية) ليجعل من الصين الحليف الاستراتيجي الأهم الذي يمنع انهيار الاقتصاد الإيراني تحت وطأة “حرب الاستنزاف” الحالية.
المكاسب الاستراتيجية غير المباشرة للصين:
لا شكّ أن سحب الولايات المتحدة جزءًا من قوتها الضاربة من المحيط الهادئ ومن القواعد الأمريكية في منطقة شرق آسيا باتجاه الشرق الأوسط يمنح الصين مكاسب استراتيجية غير مباشرة. ففي خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، اضطرت واشنطن إلى إعادة توزيع أصول عسكرية رئيسية كانت متمركزة في دول شرق آسيا، وهو ما أدى عمليًا إلى تخفيف الضغط العسكري الأمريكي على الصين، وإعادة تشكيل ميزان الاهتمام الاستراتيجي لصالح بكين.
فقد شملت عملية إعادة الانتشار نقل أصول بحرية وبرمائية مهمة من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. ومن أبرز هذه التحركات تحويل مسار حاملة الطائرات “USS Abraham Lincoln (CVN-72)” من بحر الصين الجنوبي والفلبين نحو بحر العرب والمحيط الهندي في أواخر يناير 2026، لتصبح محورًا رئيسيًا للعمليات العسكرية. كما سُحبت سفينة الهجوم البرمائي “USS Tripoli (LHA-7)” من قاعدتها في اليابان، محملة بنحو 2500 من مشاة البحرية وطائرات “F-35”. وإلى جانب ذلك، نُقلت مدمرات مرافقة، من بينها “USS Michael Murphy” و”USS Spruance” و”USS Frank E. Petersen Jr” لتشكيل مجموعات حماية بحرية في الخليج، كما قامت بسحب أربع سفن كاسحات ألغام من فئة “Avenger” من المسرح الآسيوي لتعزيز عمليات الأسطول الخامس.[10]
بالتوازي مع ذلك، أعادت الولايات المتحدة نشر منظومات دفاع جوي وصاروخي كانت مخصصة لردع التهديدات في شرق آسيا. فقد نقلت أجزاء من بطاريات نظام “THAAD” وبطاريات صواريخ “Patriot” من قواعد أمريكية في كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط[11].
كما نُقلت أسراب من مقاتلات “F-35C” من المحيط الهادئ، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر “E-2D Advanced Hawkeye” لدعم العمليات الجوية والاستخباراتية. كما تمَّ سحب كميات كبيرة من الذخائر الموجهة من المخازن الاستراتيجية في كوريا الجنوبية لتعويض الاستهلاك المتزايد.[12]
لذلك ترى بكين في انشغال واشنطن بحربها على إيران فرصة غير مباشرة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وتعزيز موقعها في شرق آسيا. وهكذا يتحول التصعيد في الشرق الأوسط إلى عامل يمنح الصين مكاسب هادئة قائمة على إعادة توزيع القوة أكثر من استخدامها المباشر.
وخلاصة الموقف أن الصين تسعى إلى الحفاظ على إيران كشريك استراتيجي يساهم في تشتيت التركيز الأمريكي بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكنها في الوقت ذاته تضع حدودًا واضحة لهذا الدعم. فبكين لا ترغب في انتصار إيراني حاسم قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع يُربك توازنات المنطقة، ويضر مصالحها الاقتصادية في المنطقة، كما لا تريد في المقابل تكبّد إيران خسارة كبيرة قد تضعفها استراتيجيًا أو تهدد استقرارها الداخلي. لذا تميل الصين إلى سياسة “منع الانكسار ومنع الحسم”، أي دعم كافٍ للحفاظ على توازن القوة لدى إيران، دون الانخراط في مسار يقود إلى حسم عسكري لأي طرف.
[1] washingtonpost.com, 06-07-1986, https://www.washingtonpost.com/archive/politics/1986/06/07/ .
[2] iranwatch.org, 19-12-2023, https://www.iranwatch.org/our-publications/weapon-program.
[3] i24news.tv, 08-03-2026, https://www.i24news.tv/ar/ .
[4] ipdefenseforum.com, 05-04-2026, https://ipdefenseforum.com/2026/04/chinas.
[5] nytimes.com, 11-04-2026, https://www.nytimes.com/2026/04/11/us/politics/china-iran-war.
[6] aljazeera.com, 11-03-2026, https://aje.news/uhkcio
[7] thedefensepost.com, 12-03-2026, https://thedefensepost.com/2026/03/12/ai-china-middle-east/.
[8] cnbc.com, 11-03-2026, https://www.cnbc.com/2026/03/11/iran-ships-oil-china-strait-hormuz-closure.
[9] wsj.com, 06-04-2026, https://www.wsj.com/world/middle-east/how-china-helped-iran.
[10] atlanticcouncil.org, 10-04-2026, https://www.atlanticcouncil.org/commentary/trackers-and-data.
[11] militarywatchmagazine.com, 09-03-2026, https://militarywatchmagazine.com/article/us-withdrawing-patriot-skorea-redeploy-iran.
[12] militarywatchmagazine.com, 07-03-2026, https://militarywatchmagazine.com/article/us-withdrew-1000-guided-munitions-korea.