حين تموت الخرائط: الفوضى المُدارة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط (2023–2028)

بقلم الزميل غير المقيم الدكتور المهندس سامر عثمان

بالتعاون مع جمعية إثنيكوس اللاذقية – أنترادوس Ethnikos Association of Latakia–Antaradus

الدكتور المهندس سامر عثمان هو أكاديمي وخبير دولي متعدد التخصصات، حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة ذات الصلة بالأنظمة العضوية والتطبيقات المستدامة. يمتلك خبرة مهنية متقدمة كمفتش دولي معتمد لصالح الاتحاد الأوروبي في مجال المنتجات العضوية وأنظمة الجودة، بما في ذلك معايير ISO و Global GAP، حيث ساهم في تقييم وتطوير سلاسل الإنتاج وفق أعلى المعايير الدولية.

إلى جانب مسيرته التقنية، يُعد الدكتور عثمان محاضرًا وخبيرًا في الاقتصاد السياسي والعلاقات الجيوسياسية، مع تركيز بحثي على تداخل الاقتصاد مع موازين القوة الدولية وتحولات النظام العالمي. يجمع في عمله بين التحليل الهندسي الصارم والرؤية الاقتصادية الاستراتيجية، ما يتيح له مقاربة متعددة الأبعاد للقضايا الدولية المعقدة.

تتمحور اهتماماته البحثية حول ديناميكيات القوة في النظام الدولي، وحدود النفوذ الإمبراطوري المعاصر، وتأثير الحروب الممتدة على البنى الاقتصادية والسياسية للدول الكبرى


حين تموت الخرائط:

الفوضى المُدارة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط (2023–2028)

إعداد وإشراف استراتيجي: د. م. سامر عثمان مؤسس نظرية MCRT

بشراكة فكرية وبحثية مع جمعية إثنيكوس اللاذقية – أنترادوس

تمهيد

تُشكّل هذه الدراسة العمل البحثي الثالث ضمن السلسلة الاستراتيجية لنظرية MCRT، والتي تسعى إلى تقديم إطار جديد لفهم التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد سايكس–بيكو.

وقد ركّزت الدراسات السابقة على:

  • تفكيك مفهوم «الفوضى» بوصفه أداة لإعادة الهندسة الإقليمية.
  • تحليل انتقال مراكز القوة من الدولة القومية التقليدية نحو الشبكات الوظيفية العابرة للحدود.
  • دراسة العلاقة بين الجغرافيا السياسية، وأنظمة الطاقة، والممرات البحرية ضمن النظام العالمي الناشئ.

أما هذه الدراسة، فتركّز بصورة خاصة على التحولات الجيوسياسية للساحل السوري – الأنطاكي ضمن البنية الجديدة لشرق المتوسط، وعلى عودة الهويات الساحلية – المتوسطية بوصفها جزءًا من التحول الأوسع الذي تشهده المنطقة.

إلا أن هذه الدراسة لا تنطلق من قراءة سياسية آنية فحسب، بل ترتكز على طبقات تاريخية وحضارية أعمق، بقيت مقموعة لقرون طويلة تحت الأنظمة المركزية التي تشكّلت بعد الفتوحات الإسلامية، ثم أُعيد إنتاجها لاحقًا عبر الدولة القومية الحديثة.

المقدمة

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الشرق الأوسط مرحلة تحول بنيوي يتجاوز الحروب التقليدية والصراعات المؤقتة. فقد تحولت المنطقة إلى حالة إعادة تشكيل جيوسياسية شاملة تطال الحدود والهويات والوظائف السياسية والبنى الاقتصادية على امتداد الإقليم.

وفي هذا السياق، تطرح نظرية MCRT إطارًا بديلًا لفهم الأحداث الجارية، إذ ترى أن حالة عدم الاستقرار الحالية ليست انهيارًا عشوائيًا، بل عملية هندسة استراتيجية مُدارة تهدف إلى إعادة توزيع القوة، وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية والوظيفية للشرق الأوسط ضمن نظام إقليمي جديد.

إن الفوضى الحالية تعيد إلى السطح طبقات حضارية كانت قد جُمّدت وطُمست ودُفنت منذ زمن طويل.

الساحل السوري وتحول الهوية المتوسطية

ضمن هذا التحول البنيوي، يبرز الساحل السوري – الأنطاكي بوصفه إحدى أكثر المناطق المرشحة لإعادة التعريف الجيوسياسي في مرحلة ما بعد سايكس – بيكو.

فالمنطقة الممتدة من أنطاكية والإسكندرون إلى اللاذقية وطرطوس لا تمثل مجرد شريط ساحلي تابع لبنية دولة مركزية، بل تشكل فضاءً حضاريًا متوسطيًا مستقلًا، يرتبط جغرافيًا وثقافيًا بشرق المتوسط أكثر من ارتباطه بالبنى السياسية الصحراوية–الأيديولوجية للمشرق الداخلي.

وتكشف المصادر التاريخية وروايات الرحالة الغربيين عن استمرار الخصائص الثقافية المتوسطية المميزة للساحل السوري عبر قرون طويلة.

فقد أشار البلاذري في «فتوح البلدان» إلى أن أنطاكية واللاذقية كانتا من آخر المدن التي قاومت التوسع الإسلامي، بما يعكس الطابع السياسي والحضاري المختلف للساحل مقارنة بالمشرق الداخلي.

كما وصف الرحالة في العصور الوسطى بورخارد من جبل صهيون أجزاءً من الساحل بأنها تضم «ثلاثين مسيحيًا مقابل كل مسلم واحد»، في دلالة واضحة على الغالبية المسيحية–المتوسطية القوية التي استمرت لقرون.

كذلك، تشير كتابات هنري هاريس جِسَب وعدد من الرحالة الغربيين إلى الخصوصية الاجتماعية والثقافية لسكان الساحل مقارنة بالداخل السوري. كما تصف بعض الإشارات الكلاسيكية لدى بلينيوس الأكبر الجماعات الساحلية بصفات مميزة، يُعتقد أن بعضها اندمج لاحقًا ضمن البنية الاجتماعية للمجتمع العلوي.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت تيارات فكرية ومنظمات معنية بالحقوق الثقافية تسعى إلى إحياء الهوية التاريخية الساحلية لهذه المنطقة بوصفها فضاءً حضاريًا متوسطيًا مستقلًا. ومن أبرز هذه المؤسسات «جمعية إثنيكوس اللاذقية–أنترادوس»، التي تعمل على إحياء واستكشاف والاعتراف بالمجتمع العلوي والروم الأرثوذكس بوصفهم سكانًا أصليين يمتلكون حضورًا تاريخيًا متجذرًا يمتد لأكثر من قرنين.

الساحل كملاذ للهويات الخارجة عن المركز

تاريخيًا، شكّل الساحل السوري ملاذًا ومأوىً للهويات والجماعات الخارجة عن البنى السياسية والأيديولوجية المهيمنة.

وتشير الدراسات التاريخية والإثنوغرافية، بما فيها أعمال جاك ويلورسي وكتاب «الاستيطان الريفي الوسيط في المنطقة الساحلية السورية»، إلى أن الجبال الساحلية تحولت إلى موطن لطيف واسع من الجماعات والطوائف التي تعرضت للتهميش أو الاضطهاد من قبل السلطات المركزية والتيارات الإسلامية السائدة.

وقد تطور الساحل إلى ما يمكن وصفه بـ«الخزان الحضاري الخفي» للهويات المتوسطية – المشرقية التي لم تندمج بالكامل في المركزية الأيديولوجية التي تكرّست بعد القرن السابع الميلادي.

ومن هذا المنظور، ينبغي فهم استمرارية البنية العلوية والأرثوذكسية الساحلية باعتبارها امتدادًا حضاريًا تاريخيًا حافظ على قدر من الاستقلال الثقافي والاجتماعي رغم قرون العزلة والصراعات.

مرحلة الأسد: تشويه الهوية الساحلية وتحويلها إلى أداة سلطة

مثّلت حقبتا حافظ الأسد وبشار الأسد واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا وإضرارًا بالهوية التاريخية للمجتمع العلوي والساحل السوري عمومًا.

فعلى الرغم من اعتماد النظام بصورة كبيرة على البنية الاجتماعية العلوية لترسيخ سلطته، فإن مشروعه لم يكن يومًا قائمًا على إحياء أو حماية الهوية العلوية التاريخية الأصيلة، بل عمل كنظام سلطوي أعاد تشكيل هذه الهوية وتفريغها من مضمونها التاريخي والثقافي، قبل دمجها ضمن بنية سياسية قومية–عسكرية–مؤسلمة–مُعرّبة هدفها الأساسي ضمان بقاء النظام.

وقد جرى اقتلاع المجتمع العلوي تدريجيًا وتغليفه بمشاريع عروبية – إسلاموية مرتبطة بصراعات إقليمية لا تعكس مصالحه التاريخية ولا هويته الثقافية.

وبدلًا من تحويل الساحل إلى مركز متوسطي للتنمية والتقدم، حوّله النظام إلى خزان بشري–أمني يخدم بقاء السلطة الحاكمة.

وقد تجلّت هذه العملية من خلال:

  • العسكرة المنهجية للمجتمع.
  • تهميش التنمية الاقتصادية الحقيقية.
  • تكريس الفقر البنيوي والاعتماد الاقتصادي على الدولة الأمنية.
  • الاستخدام الدائم للخوف الطائفي كآلية لإعادة إنتاج الولاء السياسي.

وفي الوقت نفسه، عمل النظام على تجاوز وقمع أي تعبير مستقل عن الهوية العلوية الأصيلة، سواء الدينية أو الثقافية، لأن أي وعي مستقل كان يُنظر إليه بوصفه تهديدًا محتملاً للسلطة المركزية.

وبهذا المعنى، لم يكن المجتمع العلوي شريكًا حقيقيًا في السلطة، بل رهينة داخل نظام استخدم ثقله الديمغرافي كآلية للبقاء السياسي.

ومع مرور الوقت، أنتج هذا النموذج تناقضًا عميقًا بين الهوية التاريخية الحقيقية للساحل، وبين الدور الوظيفي الذي فرضته الدولة الأمنية على المجتمع العلوي.

فبدلًا من حماية الهوية الساحلية – المتوسطية، عمل النظام على تشويهها وربطها قسرًا بالمشاريع العسكرية والسلطوية والإقليمية، ما أدى في النهاية إلى إنهاك الساحل اقتصاديًا وديمغرافيًا وحضاريًا.

ومع دخول الشرق الأوسط مرحلة التفكك البنيوي بعد عام 2023، بدأت هذه التناقضات بالانفجار مجددًا، لتعود إلى الواجهة أسئلة الهوية التاريخية للساحل، وعلاقته بشرق المتوسط، وموقعه ضمن النظام الإقليمي الجديد.

الهويات المدفونة وإعادة التشكيل السياسي

لا يمكن فهم عودة الهويات الساحلية–المتوسطية باعتبارها مجرد ظاهرة إثنية أو ثقافية، بل يجب قراءتها ضمن التحول الأوسع الذي يشهده الشرق الأوسط مع تراجع نموذج الدولة المركزية القومية الذي هيمن على القرن العشرين.

فمع انتقال المنطقة من عصر الدولة الأيديولوجية إلى عصر الوظائف والشبكات، تعود الهويات التاريخية التي تم تجاوزها إلى السطح، ليس كحنين إلى الماضي، بل كواقع جديد وأدوات تموضع ضمن النظام الإقليمي الناشئ.

ومن بين هذه الهويات:

  • الهوية الكردية.
  • الهوية الدرزية.
  • الهوية الآشورية.
  • الهوية الأرمنية.
  • الهوية المارونية.
  • الهوية الفينيقية.

إضافة إلى الهوية الساحلية المتوسطية العلوية – اليونانية الممتدة من اللاذقية وطرطوس إلى أنطاكية والإسكندرون.

وفي هذا السياق، لم تعد الفوضى مجرد حالة انهيار أمني، بل أصبحت آلية يُعاد من خلالها اكتشاف الطبقات الحضارية المدفونة داخل المشرق وإعادة دمجها ضمن معادلات القوة والجغرافيا السياسية الحديثة.

الساحل كعقدة جيوسياسية في شرق المتوسط

بحسب نظرية MCRT، فإن أهمية الساحل السوري المستقبلية لا تنبع فقط من أبعاده الإثنية أو التاريخية، بل من موقعه الاستراتيجي ضمن النظام الجديد لشرق المتوسط.

فالمنطقة تتقاطع مباشرة مع:

  • ممرات الطاقة البحرية،
  • مشاريع غاز شرق المتوسط،
  • الموانئ الاستراتيجية،
  • شبكات التجارة البحرية العالمية،
  • والممرات اللوجستية التي تربط أوروبا بالمشرق والخليج.

ومن هنا، فإن إعادة تعريف الساحل ليست ظاهرة محلية فحسب، بل جزء من إعادة الهيكلة الجيوسياسية الأوسع للبحر المتوسط نفسه.

وضمن هذا الإطار، ينبغي فهم المبادرات الفكرية والثقافية والحقوقية التي تقودها مؤسسات مثل «جمعية إثنيكوس اللاذقية–أنترادوس» بوصفها مؤشرات مبكرة على هذا التحول، لا مجرد أنشطة ثقافية منفصلة عن الديناميكيات الإقليمية.

مراحل نظرية إعادة تشكيل الفوضى المُدارة (MCRT)

المرحلة الأولى:

7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 – 8 ديسمبر/كانون الأول 2024

تمثل هذه المرحلة تفجير البنية الإقليمية القديمة وانهيار التوازنات التقليدية عبر الحروب المفتوحة والانهيارات الأمنية وإعادة خلط التحالفات في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.

المرحلة الثانية:

8 ديسمبر/كانون الأول 2024 – بداية الحرب الإيرانية الكبرى

تمثل هذه المرحلة الانتقال من الفوضى العسكرية المباشرة إلى إعادة التموضع الإقليمي، حيث تبدأ القوى الدولية والإقليمية بإعادة رسم مناطق النفوذ وممرات الطاقة والتوازنات الاقتصادية.

المرحلة الثالثة:

28 فبراير/شباط 2026 – 2028

تمثل هذه المرحلة إعادة بناء الشرق الأوسط الجديد وفق نموذج قائم على:

  • الكيانات الوظيفية.
  • اللامركزية السياسية.
  • الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود.
  • عودة الهويات المحلية التاريخية.
  • ودمج الجغرافيا السياسية بمنظومات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة العالمية.

وفي هذه المرحلة، يبرز شرق المتوسط كأحد أهم مراكز إعادة تشكيل القوة العالمية، بالتوازي مع تصاعد الدور الاستراتيجي للسواحل والموانئ وممرات الطاقة.

نظرية MCRT وتحول الشرق الأوسط إلى نظام وظيفي

ترى النظرية أن الشرق الأوسط يتجه تدريجيًا نحو نموذج جديد قائم على:

  • الكيانات الوظيفية.
  • ومجالات النفوذ المرنة.
  • والهويات المحلية التاريخية.
  • والمراكز الاقتصادية–الأمنية المندمجة ضمن شبكات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة الدولية.

وبالتالي، قد لا يُبنى مستقبل المنطقة على إعادة إنتاج الدول المركزية التقليدية، بل على إعادة توزيع الوظائف السياسية والجغرافية ضمن بنية أكثر تعقيدًا ولامركزية.

ومن هذا المنطلق، قد يتحول الساحل السوري–المتوسطي خلال السنوات القادمة إلى أحد أهم النماذج التطبيقية لتحولات ما بعد سايكس–بيكو ضمن إعادة الهيكلة الشاملة للشرق الأوسط.

الخاتمة

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس سلسلة حروب منفصلة، بل انتقال تاريخي من نظام إقليمي قديم نحو نظام جديد ما يزال قيد التشكل.

وفي قلب هذا التحول، تعود الهويات المتوسطية التاريخية إلى الظهور بوصفها جزءًا من إعادة تعريف أوسع لمفاهيم القوة والجغرافيا والسيادة في المنطقة.

ومن هذا المنظور، لم تعد دراسة التحولات الساحلية–المتوسطية وصعود السرديات السياسية المرتبطة بها مجرد مسألة ثقافية أو إثنية، بل ضرورة استراتيجية لفهم مستقبل الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.

فما تُعيد الفوضى إحياءه اليوم ليس مجرد حدود جديدة، بل عودة طبقات حضارية كاملة ظلت مدفونة ومقموعة لقرون طويلة تحت أنظمة الهيمنة المركزية، قبل أن تعود للظهور مجددًا لاستعادة موقعها ضمن النظام الجديد لشرق المتوسط.

تعبر هذه المقالة عن رأي كاتبها فقط، ولا تعكس بالضرورة رأي الجهة الناشرة.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى