سلسلة تاريخ أزمات السلطنات والدولة الحديثة في تركيا

الصورة الرمزية لـ الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الكتب والأبحاث والدارسات في السياسة والاقتصاد ونقد التاريخ


ليس بين أزمات الدُول الإسلاميَّة أزمةً أشدُّ بيانًا وجلاءَ من أزمة الدَّولة في الجمهوريَّة التُركيَّة، الَّتي نمضي نحو الانفجار، مع ظهور إرهاصات كبيرةٍ على ذلك، وانتشار علامات ظاهرةٍ منذ عدّة سنين، حيث قضت الحكومة التُركيَّة العهدَ الّذي أبرمه رئيس وكالة المخابرات التُّركيَّة السابق ووزير الخارجية التركية الحالي خاقان فيدان، في نهاية عام 2012، مع مؤمّس حزب العُمال الكردستانيّ عبد اللّٰه أوجلان، وانقلب على هذا الاتّفاق ونكث وعود الصُّلح وحلِّ القضيَّة الكرديَّة في تركيا بالحوار والتّفاوض، إلّا أنَّ نتائج انتخابات حزيران
2015، وتجاوز حزب الشّعوب الدِّيمقراطيّ الكرديّ العتبة الدُستوريَّة، وظهوره على السَّدِّ الانتخابيّ وظفره بنسبة %13.6% من الأصوات، وتشكيل كتلة برلمانيَّة من ثمانين نائبًا لأول مرَّة في تاريخ الجمهوريَّة التُركيَّة، وفوز لحركة القوميَّة التُركيَّة بعدد مُماثل من المقاعد البرلمانيَّة، حرمَ حزب العدالة والتَّنمية من الأغلبيَّة الّتي تمنحه حقّ تاسيس الحكومة وحده، ما دفع حكومة العدالة بعد تلك الانتخابات إلى إعلان الحرب على حزب العُمَّال لكردستانيّ، وتحويل بعض الأقاليم الكرديّة إلى ساحات حرب تصول فيها المركبات العسكريّة، وتجول في شوارعها الذَّبَّابات التُّركيَّة، وبدأت الحرب بين الجيش التُّركيّ ومقاتلي PKK، وبدأ الطيران بقصف معسكرات لحزب في جبال شمال العراق، كما اشتركت المروحيّات في قصف مناطق وجود المقاتلين في الجبال على طرفي الحدود بين العراق وتركيا، واشتدّت الحرب منذئذ، إلى أن حلّ موعد الانتخابات المبكرة في تشرين الثاني 2015، فظفر حزب العدالة والتَّنمية بالأغلبيَّة الّتي سعى وراءها، ونال 49.6 من الأصوات، واستطاع الحزب تأسيس الحكومة بمفرده، وكان قد ساد اعتقاد حينئذ أنَّ الحرب التي أطلقتها الحكومة لا يمكن إيقافها أو الرُّجوع عنها، وإنّما سيشتد أوارها وتستعر نارها، حتّى تشمل المناطق والأقاليم الكرديّة كافة في تركيا، في المرحلة الأولى، حيث كان يعتقد ان حزب العمال الكردستاني PKK سيردٌ عليها بهجوم وحرب شاملة، لتمتد هذه لحرب في الطّور الثَّاني إلى جميع الأراضي التُركيَّة وولاياتها، ونشوب حرب شوارع في المدن الكبرى، لتتحول لحرب بعد ذلك إلى حرب تركيَّة – كرديَّة، ودخول الصِّراع القوميِّ بين هاتين القوميَّتين الأساسيَّتين في تركيا إلى طور جديد، حيث بدأت إرهاصات هذا الصّراع بالظهور منذ نهاية عام 2015، بعد فرض الحصار على
عدَّة مدن كرديّة، ونزوح سُكَانها منها، وتحول شوارعها وأسواقها إلى ساحات حرب بين الجيش التُّركيّ ومقاتلين المدنيِّين الأكراد من هذه المدن إلى صفوف هذا التّنظيم.


الجزء الأول: الجذور التاريخية والتناقضات البنيوية

الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى