موقف كوريا الشمالية من الحرب الأمريكية – الإيرانية: لماذا تبنّت بيونغ يانغ الحياد الحذر؟

بقلم الباحثة المقيمة حنين جركس

مسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت
حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية


تبنّت كوريا الشمالية موقفًا دبلوماسيًا حذرًا ومتحفظًا تجاه الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026. فالدولة التي اعتادت إطلاق البيانات النارية والمواقف الحادة ضد الولايات المتحدة في الأزمات الدولية، اختارت هذه المرة انتهاج ما يمكن وصفه بـ “دبلوماسية المسافة الآمنة” أو “براغماتية النأي بالنفس”، فجمعت بين الصمت الاستراتيجي والبراغماتية الأمنية لتجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن.

كشف هذا السلوك عن حدود الشراكة بين بيونغ يانغ وطهران. ورغم أن الطرفين يرتبطان بعلاقة استراتيجية تاريخية قائمة على العداء المشترك لواشنطن والتصدي للعقوبات والتعاون العسكري في مجالات تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وهندسة الأنفاق – فضلًا عن وجودهما ضمن “حلف رباعي” يضم روسيا والصين – إلا أن بيونغ يانغ فضلت الحسابات الدقيقة على التضامن المبدئي.

جاء هذا الموقف مغايرًا لسلوك كوريا الشمالية في أزمات سابقة، كالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والتدخل العسكري في ليبيا عام 2011، والضربات الأمريكية على سوريا، وحتى أزمة فنزويلا، حيث كانت تسارع بالتنديد وإعلان الدعم المباشر. فعلى سبيل المثال، وصفت وزارة الخارجية الكورية الشمالية في بيانها الصادر عام 2003 الولايات المتحدة بأنها “إمبراطورية الشر” ومرتكبة “عدوانًا غاشمًا”، مؤكدة أنها “ستدفع الثمن”.

في المقابل، اتسم موقفها من الأزمة الإيرانية الحالية بدرجة لافتة من التحفظ، إذ لم تُعلن تقديم أي دعم عسكري، ولم تُصدر بيانًا فوريًا عقب وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي أو لتهنئة خلفه مجتبى خامنئي، وإنما اكتفت بإصدار بيانات متأخرة ومتحفظة، صيغت بلغة القانون الدولي، وركزت على إدانة انتهاك السيادة الإيرانية، والدعوة إلى ضبط النفس، والإقرار باختيار القيادة الجديدة،[1] من دون تبني خطابها التقليدي الحاد أو تقديم مظاهر دعم استثنائية لطهران. فما الحسابات الأمنية والسياسية التي دفعت كوريا الشمالية إلى التخلي عن خطابها التقليدي وتبني هذا الحياد الحذر؟

قامت هذه الشراكة تاريخيًا على “المقايضة المادية”: نقل السلاح والتكنولوجيا مقابل النفط والعملات الصعبة. ولكن مع تعرض إيران لقصف مركب واستنزاف بنيوي، تأثرت إمدادات الوقود السرية عن كوريا الشمالية نتيجة إغلاق مضيق هرمز الذي شل حركة “ناقلات الظل” وعمليات التهريب البحرية[2]. ومع توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 2.8% في عام 2026، تراجعت قدرة طهران المالية واللوجستية على دعم بيونغ يانغ بالعملة الصعبة أو النفط المدعوم،[3] مما دفع الأخيرة لتجنب المغامرة من أجل شريك فقد عوائد فورية، مفضلةً تقديم بقاء النظام على ما سواه.

في المقابل، وفرت الشراكة الاستراتيجية المتنامية مع روسيا، خصوصًا منذ اتفاقية 2024، بديلًا أكثر استقرارًا عبر توسيع التعاون في الطاقة والإمدادات والعمالة والتقنيات العسكرية. كما استفادت بيونغ يانغ من الحدود البرية وخطوط السكك الحديدية القائمة أصلًا مع روسيا، بما يسمح بتدفق السلع والطاقة عبر قنوات أقل تعرضًا للقيود البحرية والعقوبات، ما جعل موسكو شريكًا أكثر قدرة على تلبية احتياجات بيونغ يانغ الاستراتيجية، وعزز توجه الأخيرة نحو سياسة أكثر حذرًا في التعامل مع أزمات حلفائها.

ولا يعني هذا الصمت تصدع الحلف الرباعي – الذي يقوم أساسًا على المصالح الثنائية المنفعية لا الالتزامات الدفاعية الجماعية – بل ينسجم مع رغبة المحور في تجنب حرب كبرى تستنزف الصين وروسيا. كما يراعي حدود المناورة مع الصين – التي تحرص على الاستقرار وتجنب الصدام المباشر مع واشنطن – حمايةً للاقتصاد الكوري المعتمد كليًا على بكين، إذ استحوذت الأخيرة على 98% من تجارة بيونغ يانغ عام 2023، وبلغ حجم التبادل بينهما 2.73 مليار دولار عام 2025.[4]

وعليه، يكشف السلوك الكوري الشمالي أن شراكتها مع إيران هي شراكة وظيفية وليست حلفًا دفاعيًا متبادلًا، فغياب معاهدة دفاع مشترك جعل العلاقة قائمة على تبادل المنافع لا خوض الحروب. ومن ثم، لم يكن صمت بيونغ يانغ تخليًا عن طهران، بل تقديمًا صريحًا لأولوية بقاء النظام وأمنه القومي على ما سواه.

إضافة إلى ذلك، يشكل العامل الجغرافي دورًا حاسمًا في صياغة السلوك السياسي لبيونغ يانغ، إذ تدرك أن الصراع في الشرق الأوسط – النطاق الحيوي لإيران – لا يمثل تهديدًا وجوديًا مباشرًا لكوريا الشمالية المتمركزة في شرق آسيا مواجهةً للتحالف الأمني الثلاثي (الولايات المتحدة، كوريا الجنوبية، اليابان). كما تعلم أن الانخراط المباشر لن يرفع عنها العقوبات، بل قد يستدرج ضربات استباقية لمنشآتها النووية في وقت تحتاج فيه للهدوء لتطوير قدراتها الذاتية.

فضلًا عن حرص بيونغ يانغ على تجنب تشتيت قدراتها العسكرية، فقد دفعتها ضغوط الحرب الروسية – الأوكرانية إلى توجيه جزء كبير من قدراتها الإنتاجية نحو إمداد الجبهة الروسية، وتشير تقديرات استخباراتية كورية جنوبية في مارس 2026 إلى أن بيونغ يانغ شحنت نحو 33 ألف حاوية من الإمدادات العسكرية إلى روسيا، تشمل أسلحة وذخائر.[5] لذلك لا تملك كوريا الشمالية هامشًا لفتح مسار إمداد عسكري جديد نحو الشرق الأوسط لصالح شريك يواجه قيودًا مالية ولوجستية، مع مخاطر اعتراض هذه الشحنات بحريًا من قبل القوات البحرية الأمريكية وحلفائها.

ويسعى هذا السلوك الحذر للإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن لأي مفاوضات مستقبلية، فقد أكد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في مؤتمر حزب العمال في فبراير 2026، أن أي تحسن في العلاقات مع الولايات المتحدة مرهون بالاعتراف ببلاده كقوة نووية وإنهاء سياسة العداء. [6]وتؤكد الاستخبارات الكورية الجنوبية أن بيونغ يانغ لم ترسل أي أسلحة لإيران منذ اندلاع الحرب، ما يعكس حرصها على عدم تقييد خياراتها الدبلوماسية.

بل إن بيونغ يانغ استغلت انشغال واشنطن بالشرق الأوسط لتمرير قفزات نوعية في ترسانتها، فنفذت منذ بدء الحرب 9 اختبارات صاروخية باليستية وكروز موجهة بالذكاء الاصطناعي. واختبرت في مارس 2026 محركًا بالوقود الصلب بألياف الكربون لزيادة مداه وحمولته نحو الأراضي الأمريكية، وضاعفت قدراتها النووية بافتتاح منشأة تخصيب جديدة في يونيو 2026، وكشفت عن صاروخ كروز تكتيكي مراوغ.[7]

وداخليًا، وظف النظام هذه الحرب لإثبات صوابية خياره النووي، حيث صرح كيم جونغ أون أمام اللجنة المركزية للحزب الحاكم والبرلمان في مارس 2026 بأن مصير إيران يُعد “درسًا حتميًا” يثبت أن التمسك بالردع النووي ورفض “الكلام المعسول” لواشنطن كان الخيار الوحيد لحماية البلاد والنظام من التدمير.[8]

​وميدانيًا، ضاعفت بيونغ يانغ مراقبتها لتطورات الحرب لاستخلاص الدروس العسكرية وتحديث عقيدتها القتالية، إذ رسخت التطورات صحة استراتيجيتها الدفاعية القائمة على شبكات الأنفاق العميقة والمنشآت المحصنة تحت الأرض – بعدما عاينت عن كثب دور البنية التحتية الإيرانية المحصنة في حماية الترسانة الصاروخية والقيادات من الضربات الجوية المكثفة – تمامًا كما استفادت سابقًا من دروس الحرب الروسية – الأوكرانية، لا سيما عبر بناء جيل جديد من الضباط الكوريين الشماليين العائدين من جبهات القتال الروسية لنقل خبراتهم الميدانية المباشرة.

ختامًا، أظهرت الحرب في إيران أن كوريا الشمالية – رغم خطابها الثوري – تتصرف وفق حسابات صارمة لمصلحتها الوطنية وأولوية البقاء، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية. ويتطابق هذا الحياد تمامًا مع جوهر عقيدة “الجوتشية” – الأيديولوجية الرسمية لبيونغ يانغ – التي تضع “الاعتماد المطلق على الذات” وتحصين النظام كأولوية جيوسياسية قصوى تعلو ما سواها، وتقضي بتجنب الانجرار إلى مواجهات لا تحقق مكاسب مباشرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعاون الاستراتيجي مع طهران خلف الكواليس.


[1] reuters.com. 1-03-2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/north-korea-says

[2] nknews.org. 12-03-2026. https://www.nknews.org/pro/iran-oil-shock-threatens

[3] ft.com. 20-07-2026. https://www.ft.com/content/3b659fcd-77ce-4e63-aa46-8cb648735f13?syn-25a6b1a6=1

[4] uscc.gov. 14-11-2025. https://www.uscc.gov/research/chinas-facilitation-sanctions-and-export-control

[5] en.yna.co.kr.  1-03-2026. https://en.yna.co.kr/view/AEN20260301001300315?utm_source=chatgpt.com

[6] reuters.com. 06-04-2026. https://www.reuters.com/ar/world/4ZW4TAOL45MM7NX6LJJOYEWRDA-2026-04-06/

[7] reuters.com. 28-03-2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/north-koreas-kim

[8] cnn.com. 25-03-2026. https://edition.cnn.com/2026/03/25/asia/north-korea-nuclear-weapons

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى