​انكفاء “الفيلق الأفريقي”: كيف تحول الاستنزاف الروسي في أوكرانيا إلى تهديد وجودي للأنظمة العسكرية في الساحل؟


​          شهدت القارة الأفريقية خلال العقد الماضي تحولاً جيوستراتيجياً بارزاً، استغلت فيه موسكو حالة الانحسار الغربي، ولا سيما التراجع الفرنسي، لتقدم نفسها كـ “ضامن أمني حاسم” وشرط لا بد منه لاستقرار الأنظمة الحاكمة. حيثُ اعتمدت الإستراتيجية الروسية على معادلة مرنة تقوم على تقديم الدعم العسكري المباشر، وتزويد الجيوش بالعتاد، وتأمين الحماية السياسية والأمنية لرؤساء المجالس العسكرية والانقلابات، مقابل الاستثمار في الموارد الطبيعية والمناجم وتوسيع الحضور الجيوسياسي في منطقة الساحل والغرب الأفريقي. غير أن استمرار حرب الاستنزاف في أوكرانيا ودخولها مراحل معقدة أحدث إرباكاً عميقاً في هذه المعادلة، فالضغط العسكري واللوجستي والمالي الهائل الذي تواجهه روسيا على الجبهة الأوروبية ألقى بظلاله المباشرة على حضورها الخارجي، ليتحول التواجد الروسي من أداة تمدد واستعراض قوة إلى عبء استراتيجي يفتقر إلى استدامة خطوط التموين، وهو ما يهدد بتقويض الأساس التي قامت عليه الأنظمة العسكرية في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ويضعها أمام خطر الانهيار والسقوط المتتالي.

و​تكشف قراءة التحولات الميدانية في إقليم دونباس وخاركوف عن كيفية انعكاس حدة المواجهات مباشرة على عمق الصحراء الأفريقية. فقد فرضت الطبيعة الكثيفة للعمليات العسكرية تحولاً كاملاً في أولويات هيئة الأركان العامة الروسية، حيث لم يعد بإمكان المجمع الصناعي العسكري في موسكو استيفاء متطلبات عقود التسليح الخارجية بنفس الكفاءة السابقة. وقد تم توجيه معظم خطوط الإنتاج والذخائر والأنظمة الدفاعية الثقيلة لسد الفجوات الميدانية في الجبهة الأمامية الأوروبية، الأمر الذي حرم الشركاء الأفارقة من التدفقات المنتظمة للسلاح، وقطع التبديل، وخدمات الصيانة الدورية التي تعتمد عليها ترساناتهم ذات المنشأ الروسي بشكل شبه كلي. هذا النقص لم يقتصر على العتاد المادي فحسب، بل امتد ليشمل العنصر البشري ايضاً، إذ اضطرت القيادة العسكرية الروسية إلى سحب واستدعاء نخبة الضباط والمدرّبين والمشغّلين أصحاب الخبرة الميدانية العالية من أفريقيا لإعادة نشرهم في مناطق المواجهة الحادة، مما ترك القوات الوطنية الأفريقية تعمل دون غطاء استشاري وتقني كافٍ لمواجهة التحديات الأمنيّة المتزايدة.

​وتزامنت هذه المعضلة مع اختناق لوجستي وجغرافي عابر للقارات فرضته حُزم العقوبات الغربية المشددة وإغلاق المجالات الجوية أمام حركة النقل العسكري الروسي. وأصبحت عمليات نقل المعدات والذخائر الثقيلة والفرق الفنية إلى دول حبيسة تقبع في عمق الساحل الأفريقي عملية معقدة للغاية باهظة التكلفة ومرتفعة المخاطر. وقد جعل هذا العجز-عن تامين خطوط إمداد جوي وبري منتظمة- التواجد الروسي في أفريقيا يمر بمرحلة من الشلل التكتيكي، حيث باتت هذه القوات غير قادرة على تنفيذ استجابة سريعة أو تقديم إسناد عاجل عند اندلاع الأزمات الميدانية الطارئة. وتضاعف هذا الإرباك مع إعادة الهيكلة التنظيمية للوجود الروسي، وتحديداً التحول من نموذج “مجموعة فاغنر” الخاصة التي كانت تتمتع بمرونة عالية وقدرة على المناورة المالية والعملياتية بعيداً عن الرسميات، إلى نموذج “الفيلق الأفريقي” المنضوي مباشرة تحت مظلة وزارة الدفاع الروسية. ورغم أن هذا الإجراء هدف في أصله إلى ضبط المجموعات المسلحة وإخضاعها لسيطرة المؤسسة العسكرية المركزية في موسكو، إلا أنه سلب تلك القوات مرونتها التكتيكية والسريعة، ورهن حركتها الميدانيه لبيروقراطية القرارات المركبة، وميزانيات محكومة بأولويات الجبهة الأوكرانية.

​وانعكس هذا الانكفاء اللوجستي والعسكري الروسي بشكل حرج ومباشر على هشاشة الأنظمة العسكرية الحاكمة في الساحل الأفريقي، والتي بنت مشروعيتها الشعبية والسياسية بالكامل على وعد تحقيق “الأمن الحاسم” والتصدي الجماعي للتنظيمات المسلحة. ومع تراجع فاعلية العتاد والغطاء الجوي والاستخباراتي الروسي، وجدت الجيوش الوطنية نفسها تخوض مواجهات مباشرة وغير متكافئة مع جماعات مسلحة استغلت الفراغ الأمني السريع لتوسيع نطاق سيطرتها الميدانية والاقتراب من المراكز الحيوية والعواصم. هذا العجز الميداني أدى بالضرورة إلى تآكل الشرعية السياسية للتحالف مع موسكو، إذ بدأ يتضح للشارع الأفريقي ولأروقة المؤسسات العسكرية الوطنية أن المظلة الروسية لم تكن سوى ترتيب ظرفي مؤقت غير قادر على الاستدامة والصمود أمام الأزمات الممتدة، وأن الرهان على غطاء أمني خالٍ من قواعد تنموية أو صناعية هو رهان شديد المخاطرة.

​ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه هذه الأنظمة لا يأتي فقط من الهجمات الخارجية للجماعات المسلحة، بل من داخل المؤسسات العسكرية الوطنية نفسها، لان تفاقم الاختناق اللوجستي، وعجز السلطات الحاكمة عن توفير السلاح والذخائر والرواتب والمساعدات الطبية للضباط والجنود على خطوط المواجهة الأمامية، يخلق حالة عميقة من الاحتقان والتمرد الداخلي ويزيد من احتمالية حدوث تصدعات داخلية وانقلابات مضادة من داخل المؤسسات العسكرية نفسها، بحيث تسعى أجنحة داخل الجيوش الوطنية للإطاحة بالسلطة القائمة وتفادي الانهيار الشامل، عبر محاولة فتح قنوات تواصل جديدة مع أطراف دولية أو إقليمية أخرى قادرة على تقديم الدعم الفوري.

​وأمام هذا الواقع المتردي، تتجه منطقة الساحل وغرب أفريقيا نحو سيناريوهات جيوسياسية جديدة ومحفوفة بالمخاطر. فالسيناريو الأول والأقرب إلى الواقع في حال استمرار تقليص الدعم الروسي دون وجود بديل أمني جاهز، هو دخول المنطقة في فوضى أمنية ممتدة وتفكك متدرج للسلطة المركزية. سيناريو كارثي قد يؤدي إلى سقوط الخطوط الدفاعية للعواصم الرئيسية، وتحول مناطق شاسعة من الساحل إلى أقاليم خارجة تماماً عن سيطرة الدول، مما يجعلها ملاذاً آمناً للشبكات الإرهابية وممرًا رئيسياً لشبكات تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

ولتفادي هذا المصير، قد تسعى بعض الأنظمة العسكرية إلى تنويع شراكاتها العسكرية بشكل عاجل عبر البحث عن شركاء بدائل كتركيا للحصول على طائرات مسيرة وأنظمة استطلاع حديثة، أو الصين لتقديم دعم اقتصادي وأمني لحماية الاستثمارات، رغم أن هذه البدائل تتطلب تكلفة مادية عالية وتنسيقاً يستغرق وقتاً لا تملكه هذه الأنظمة المضغوطة ميدانياً.

​وفي المقابل، يتيح هذا الانكفاء الروسي فرصة للقوى الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، لإعادة تشكيل نفوذها واستراتيجيتها في أفريقيا. ورغم صعوبة العودة العسكرية الغربية المباشرة بالشكل التقليدي القديم نظراً للرفض الشعبي المتراكم، إلا أن العواصم الغربية قد تعتمد مقاربة قائمة على تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي للدول المشاطئة لخليج غينيا لمنع مد الفوضى، مع فتح قنوات خلفية وغير معلنة مع القيادات العسكرية في الساحل لإعادة رسم حدود العلاقات الجيوسياسية. وفي النهاية، تؤكد تحولات المشهد في أفريقيا حقيقة جيوسياسية ثابته: إن النفوذ الذي يُبنى حصراً على المظلات الأمنية والشركات العسكرية الخاصة دون الاستناد إلى قاعدة اقتصادية وتنموية وصناعية متكاملة هو نفوذ سريع العطب، وأن حرب أوكرانيا لم تكتفِ بإعادة تشكيل خارطة الأمن الأوروبي فحسب، بل امتدت ارتداداتها العميقة لتضع الأنظمة العسكرية في أفريقيا أمام اختبار وجودي حقيقي يهدد بقاءها في السلطة.

ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى