​عقيدة الردع الساحلي وإعادة تشكيل المجال المائي: البحر الأحمر في أتون المواجهة السعودية – الحوثية والتدافع الإقليمي


​يمر الممر المائي الممتد من خليج عدن وباب المندب جنوباً وصولاً إلى قناة السويس شمالاً بتحول هيكلي متسارع يتجاوز مفهوم “الأزمات العابرة”، ليصل إلى مرحلة إعادة رسم خارطة الأوزان الجيوستراتيجية والنفوذ في المنطقة، إذ لم يعد البحر الأحمر مجرد شريان كلاسيكي للتجارة الدولية ينقل نحو 12% من حركة البضائع العالمية و10% من إمدادات الطاقة البحرية، بل تحول إلى مسرح رئيسي لاختبار حدود القوة والردع بين دولة إقليمية محورية تتبنى عقيدة الاستقرار والتنمية كالمملكة العربية السعودية، وبين الفاعل من غير الدول المتمثل في حركة “أنصار الله” (الحوثيين)، والذي نجح بدوره في  إظهار قدرات تعطيل استراتيجية تمس العصب الحيوي للتجارة الدولية والأمن القومي الإقليمي. وبناءً على ذلك، فإن الانتقال الحوثي الأخير من التهديد الشفهي إلى الاستهداف المباشر والفعلي للناقلات والسفن ذات الصلة بالمملكة عبر استخدام المقذوفات الباليستية البحرية والمسيّرات والزوارق الانتحارية، يمثل تحولاً جاداً في قواعد الاشتباك البحرية، ولا سيما أن الجماعة تسعى من خلاله إلى فرض معادلة “حظر ملاحة انتقائي” يهدف بالأساس إلى انتزاع اعتراف بشرعيتها كحارس إجباري لمضيق باب المندب، وممارسة ضغوط قصوى على المعادلة الإقليمية برمتها.

​غير أن هذا التصعيد في باب المندب لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن الصراع المفتوح بين واشنطن وحلفائها الخليجيين من جهة، وطهران من جهة أخرى، ولا سيما في ظل التهديدات المترابطة التي تحكم “مضيق هرمز”. فإيران تعتبر استراتيجية التهديد البحري جزءاً من عقيدة “الردع المتناظر والممتد” حيث تشكل الممرات المائية من الخليج العربي وصولاً إلى البحر الأحمر شبكة احتجاز وتطويق لوجستي تُلوّح بها طهران لإرباك الحسابات الأمريكية والخليجية. ومن هذا المنظور، أضحت جبهة البحر الأحمر امتداداً جيوستراتيجياً لمعادلة التحكم والضغط التي يمارسها الحرس الثوري في مضيق هرمز، فبينما تسعى واشنطن لترميم منظومة الأمان البحري وحماية التدفقات النفطية لدول الخليج، يوفر المسرح الحوثي لطهران أداة ضغط استراتيجية قليلة التكلفة وعالية التأثير، قادرة على تحييد التفوق العسكري التقليدي لواشنطن وحلفائها دون الانزلاق المباشر إلى حرب إقليمية شاملة.

​ونتيجةً لهذا الاستهداف المباشر وتداخل المسارح البحرية، تداعت هزات ارتدادية عميقة في هيكلية سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية؛ حيث إن فرض خيار “التفاف رأس الرجاء الصالح” على شركات الشحن والناقلات النفطية لم يتسبب فقط في زيادة المسافة البحرية بأكثر من 3500 ميل بحري وإطالة أمد الرحلات بنحو 10 إلى 14 يوماً، بل أدى تَباعاً إلى قفزات تصاعدية في كلفة التأمين ضد مخاطر الحروب ومعدلات استهلاك الوقود، وهو ما انعكس مباشرةً على معدلات التضخم العالمي وأسعار أسواق الطاقة. ومن هذا المنطلق، يواجه صناع القرار في الرياض بيئة أمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مقتضيات الحفاظ على مسار التهدئة الجيوسياسية ودفع عملية السلام اليمنية لحماية المشاريع العملاقة الممتدة على طول الساحل الغربي كـ “نيوم” و”البحر الأحمر”، بالتوازي مع الحاجة الاستراتيجية الحتمية لفرض ردع بحري صارم يمنع تحول الموانئ السعودية الحيوية—وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي—إلى نقاط محاصرة أمنياً، أو خاضعة لارتهانات التهديد الصاروخي الساحلي.

​ولم تقف آثار هذا المأزق الجيواقتصادي عند هذا الحد، بل امتدت لتشكل تهديداً وجودياً لمنظومة الأمن القومي المصري، نظراً لأن تراجع حركة الملاحة عبر باب المندب انعكس تلقائياً على أعداد السفن العابرة لقناة السويس، مما كبّد الخزانة المصرية خسائر قاسية في عائدات النقد الأجنبي، ونقل الأزمة بالتالي من مساحة التنافس السياسي إلى مربع الخطر المباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. يضاف إلى ذلك كله أن عجز المساعي الغربية والتحالفات الدولية لحماية الملاحة عن شل القدرات الساحلية للحوثيين أدى بدوره إلى ظاهرة “عسكرة الممر المائي” وتزاحم القطع البحرية الأجنبية في مضيق باب المندب، الأمر الذي يراه الفاعلون الإقليميون تهديداً مضاعفاً يقلص من سيادة الدول الشاطئية ويحيل المنطقة إلى ساحة احتكاك واستقطاب بين القوى الكبرى.

​وتأسيساً على هذا الانكشاف، تحول القرن الأفريقي إلى الساحة المباشرة للاصطفافات والتنافس الجيوسياسي المحموم المحيط بالبحر الأحمر حيث تتشابك القواعد العسكرية الأجنبية والاستثمارات اللوجستية في جيبوتي وإريتريا مع سباق الاستحواذ على الموانئ والشرائط الساحلية الممتدة في الصومال وإقليم صوماليلاند. وهنـا يتجلى التطور الأكثر دلالة في إعادة تشكيل هذه الخارطة، حيث تحول “مجلس دول البحر الأحمر” من مجرد إطار تنسيقي وسياسي إلى نواة لـ “تحالف دفاع بحري عملياتي” تقوده السعودية. ولم يقف هذا التحول عند حدود الدول الشاطئية التقليدية، بل امتد ليؤطر تقارباً وتنسيقاً استراتيجياً لتركيا إلى جانب مصر والسعودية ضمن مظلة أمنية متقدمة، حيث ألقت أنقرة بثقلها العسكري والتكنولوجي وتواجدها اللوجستي الضخم في القرن الأفريقي (عبر الصومال والسودان) لدعم هذا المحور. إن هذا التلاقي “السعودي – المصري – التركي” يمثل نقطة تحول مفصلية لبناء طوق دفاعي إقليمي يغلق الثغرات الساحلية، ويفرض معادلة ردع جديدة قادرة على حماية الملاحة ومواجهة استراتيجيات التعطيل الحوثية والإيرانية في الساحل الغربي لباب المندب.

​وحين مقاربة الخيارات العسكرية، وتحدياً للعوائق التي تحول دون الذهاب نحو “معاهدة دفاع مشترك” ملزمة على طريقة الحلف الأطلسي نتيجة الهشاشة المؤسسية في بعض دول القرن الأفريقي والتجاذبات البينية، فإن النموذج البديل والأكثر كفاءة يتجسد في بناء “مجموعات عمل بحرية عملياتية” تعتمد على استراتيجية الاستجابة المرنة، وتتركز مهامها في تبادل الاستخبارات البحرية اللحظية، وتسيير دوريات استطلاعية وهجومية مشتركة، وتأمين الممرات البحرية دون التورط في التزامات سياسية أو عسكرية داخلية معقدة.

​وعلاوة على ما سبق، يتطلب هذا التموضع الإقليمي الجديد إدارة دقيقة لموازين القوى مع الفاعلين الدوليين والإقليميين الآخرين، إذ يسعى التحالف العربي-الأفريقي المرتقب إلى “تأميم” أمن البحر الأحمر وفرض حماية إقليمية ذاتية لمنع استخدام الأزمة كذريعة لتمدد الحضور الإسرائيلي أو الغربي المباشر، وتفادي منح التهديدات الحوثية أبعاداً أيديولوجية تُستغل لتجييش الصراع الإقليمي.

​وفي الخلاصة، يمكن القول إن تحول الاستهداف الحوثي للناقلات والسفن السعودية، والربط العضوي بين مسرحي هرمز وباب المندب ضمن استراتيجية المواجهة الأمريكية-الإيرانية، قد نقل معادلة الأمن في البحر الأحمر نهائياً من مستوى المناقشات النظرية إلى مربع الفرضيات الجيواستراتيجية الصارمة. ومن ثم، فإن صياغة منظومة ردع بحري إقليمية متكاملة تقودها السعودية بالتنسيق العضوي مع مصر وتركيا ودول القرن الأفريقي لم تعد مجرد خيار سياسي مُفضّل، بل أضحت ضرورة ملحة لحماية أمن الدولة، وصون الاستقلال الاستراتيجي للممرات المائية العربية، وفرض التوازن القيادي الكفيل بمنع تحول البحر الأحمر إلى مسرح دائم لحروب الاستنزاف والإنابة.

ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى