معادلة الجولان الجيوسياسية.

بقلم الزميل غير المقيم الدكتور غياث الصفدي
مستشار قانوني في منظمة Druze Nexus بالولايات المتحدة الامريكية وعضو في مركز Nexus للأبحاث

يعيد نظام الشرع توظيف ملف استعادة الجولان ضمن خطابه السياسي الإقليمي والدولي والمحلي، مُستنداً إلى المبدأ ذاته الذي انتهجه نظام الأسد والمرتبط بإظهار التمسّك بالسيادة الوطنية. ومن الواضح أن التحول الجوهري فيما بعد سقوط الأسد ليس مرتبطاً باستمرار المطالبة الصورية باستعادة الجولان فقط، وإنّما في تغيّر البيئة التي يجب أن يُقرأ فيها خطاب المطالبة هذا. ولفهم الوزن الجيوسياسي للجولان فيما بعد سقوط نظام الأسد، لم يعد كافياً النظر إليه كملف في العلاقات السورية الاسرائيلية، بل يجب أن يُقرأ ضمن التغيرات الشاملة التي أعقبت أكتوبر 2024، وطبيعة نظام الشرع، وأزمة الثقة بين المكونات السورية. خاصة بعد المجازر الجماعية والانتهاكات الجسيمة التي تم ارتكابها بحق الدروز في السويداء في تموز 2025. فما كان يُستخدم سابقاً لإثبات تمسك نظام الحكم السياسي السوري بالسيادة على الجولان؛ أصبح اليوم مرتبطاً بإشكالية أعمق تتعلق بالمكوّن الديموغرافي الأبرز للجولان نفسه، وهم الدروز.
يناقش هذا المقال التحوّل في المعادلة الجيوسياسية للجولان من نزاع تقليدي على السيادة والإقليم إلى صراع أكثر تعقيداً حول متطلبات الأمن والانتماء ومفهوم الشرعية، ويحلل فرضية رئيسية مفادها أن التحولات التي شهدتها سوريا، ولا سيما أحداث السويداء عام 2025، لم تؤثر على خيارات المجتمع الدرزي الداخلية فحسب، وإنما أعادت تشكيل الوعي الإدراكي لدروز الجولان أيضاً تجاه علاقتهم بالدولة السورية وبإسرائيل، وربطت الجولان جيوسياسياً بالسويداء.
إعادة تعريف الانتماء:
تقع مرتفعات الجولان في الجنوب الغربي لسوريا وتشرف على مناطق واسعة من سوريا والأردن واسرائيل، وتتمتع بأهمية استراتيجية بالغة من الناحية العسكرية لاسرائيل، لا سيما وأنها تحاذي المنطقة العازلة التي شملتها اتفاقية فض الاشتباك المُبرمة في العام 1974، بالإضافة لكونها مصدراً أساسياً للموارد المائية. وقبل العام 1967، كانت هذه المرتفعات تضم مجتمع سكاني متنوع، يشكّل فيه الدروز المكون الديموغرافي الأبرز، إلا أن النزاع المسلح بين اسرائيل وسوريا أدى لنزوح عدد كبير من السكان إلى مناطق أخرى، فيما بقيت عدد من القرى الدرزية في الجزء الذي لم يشهد نزوحاً، لا سيما في المنطقة الشمالية من تلك المرتفعات.[1] ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الاسرائيلي، يبلغ عدد سكان مرتفعات الجولان حالياً أكثر من 50 ألف نسمة، منهم 23 ألف يهودي تقريباً، وحوالي 29 ألف درزي يعيشون في أربع تجمعات سكنية رئيسية وهي مسعدة، ومجل شمس، وبقعاتا، وعين قنية.[2]
منذ قرار الكنيست الاسرائيلي بضم مرتفعات الجولان، قدمت اسرائيل عرضاً للسكان الدروز بالحصول على الجنسية الاسرائيلية، وفي الوقت الذي حصل فيه العديد على هذه الجنسية، أثار هذا الأمر مخاوف متعددة لدى شريحة واسعة منهم نتيجة مخاوف متعلقة بقيام نظام الأسد باضطهادهم بتهمة الخيانة في حال انسحاب اسرائيل من الجولان. لا سيما بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 479 لعام 1981 والذي اعتبر فيه أن مرتفعات الجولان هي أرض سورية تحتلها اسرائيل بالقوة العسكرية. ولم يقتصر أثر هذه المخاوف على عدم اتخاذ القرار بالانضمام للمجتمع الاسرائيلي والحصول على الجنسية الاسرائيلية فحسب، بل أجبرت تلك المخاوف شريحة واسعة منهم على إظهار المعارضة الدائمة للسيطرة الاسرائيلية على مناطقهم، والاستمرار بالتفاعل مع مجمل الأحداث السياسية ضمن سوريا. لكن هذا الواقع بدأ يتغير في السنوات الأخيرة مع بدء النزاع المسلح في سوريا، حيث ارتفع عدد السكان الدروز من مرتفعات الجولان الذين تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية الاسرائيلية، وقد أظهرت بيانات سجل السكان والهجرة في اسرائيل أن شخصين درزيين فقط حصلوا على الجنسية في العام 2010، بينما ارتفع العدد لأكثر من مائة طلب في العام 2015.[3]
في العام 2025 تضاعف عدد السكان الدروز في مرتفعات الجولان الذين تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وهو ما يشير إلى تحوّل كبير في علاقتهم باسرائيل. فقد تم تقديم 1050 طلب في النصف الأول من العام، بزيادة قدرها مائة في المائة مقارنة بحوالي 572 طلب في العام 2024 كاملاً. وتشير بيانات هيئة السكان والهجرة الإسرائيلية إلى ارتفاع مطرد في عدد الطلبات خلال السنوات الماضية، حيث بلغ عدد الطلبات في عام 2020 ما يقارب 90 طلباً، و325 طلباً في العام 2021، و623 طلباً في العام 2022، و554 طلباً في العام 2023. وبحلول منتصف العام 2025، كان 6006 من السكان الدروز في الجولان، يحملون الجنسية الاسرائيلية، بنسبة تقارب 20 % من إجمالي عددهم البالغ حالياً ما يقارب 29 ألف نسمة. حيث ارتبطت الزيادة المتسارعة في طلبات الحصول على الجنسية الاسرائيلية من قبل السكان الدروز في الجولان بالتحولات الجيوسياسية في المنطقة. فقد ساهم النزاع المسلح في سوريا وحالة الفوضى الاقليمية المستمرة بتغيير الحسابات الخاصة بشريحة واسعة من هذا المجتمع. خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر في العام 2023، وبعد حادثة مقتل 12 طفلاً درزياً في قرية مجدل شمس في العام 2024، بقصف صاروخي خلال العمليات العسكرية التي شهدتها الجبهة الشمالية مع حزب الله.[4]
أثر مجازر السويداء في تموز 2025:
يشكل الترابط بين المجتمعات الدرزية في السويداء والجولان والجليل والكرمل ولبنان بنية اجتماعية ودينية وعائلية تتجاوز الحدود السياسية لدول الشرق الأدنى، وهو ما يجعل أي حدث أمني قد يواجهه أي مجتمع من تلك المجتمعات قابلاً للارتداد على سائرها. وقد حافظت هذه المجتمعات تاريخياً علىى صلات وثيقة جداً عبر الروابط العائلية الواحدة وصلات الدم والقرابة، بما في ذلك الزواج عبر الحدود الذي يتصل بشكل وثيق بالحفاظ على الهوية الدينية والاجتماعية لهذا المجتمع. ومن هذا المنظور، لم تكن المجازر الجماعية والانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها الدروز في السويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا بمعزل عن المجتمعات الدرزية الأخرى، بل تركت أثراً عميقاً، لا سيما لدى دروز الجولان، وأعادت تشكيل تصورات شريحة واسعة منهم بشأن الأمن والانتماء ومستقبل العلاقة مع الدولة السورية والمجتمع السورية ككل.
تكتسب هذه التحولات دلالتها الاستراتيجية من كون المجازر الجماعية التي ارتكبت في بحق الدروز في السويداء لم تُقرأ، في الوعي الدرزي خارج سوريا، باعتبارها مجرد نتيجة مباشرة لطبيعة نظام الشرع الجهادية، بل باعتبارها أزمة أوسع تتصل بقدرة الدولة السورية والمجتمع السوري على توفير شروط الأمن والحماية والاندماج السياسي للدروز. فالمشاركة الواسعة لشرائح كبيرة من المجتمع السوري إلى جانب نظام الشرع في أعمال العنف والمجازر التي طالت المدنيين الدروز،[5] عمّقت الانطباع بأن الإشكالية لا يمكن أن تُختزل في بنية السلطة وحدها، وإنما تمتد إلى البيئة الاجتماعية والسياسية التي تعمل داخلها؛ الأمر الذي أعاد طرح سؤال أكثر جوهرية لدى دروز الجولان حول إمكانية بناء علاقة مستقرة مع دولة سورية جديدة ومجتمع سوري في ظل غياب ضمانات موثوقة لحماية وجودهم وحقوقهم.
ما يعزز هذا التحوّل عملياً مرتبط أيضاً بشكل كبير بتدخل اسرائيل لحماية الدروز إبّان تلك الهجمات؛ إذ برز التدخل العسكري الإسرائيلي، في مقابل غياب استجابة إقليمية أو دولية فاعلة تجاه تلك الهجمات. وبغض النظر عن الحسابات الاستراتيجية الاسرائيلية التي تحكم هذا التدخل، إلا أن أثره السياسي غير قابل للتجاهل. فقد خلق تجربة عملية مفادها أن اسرائيل كانت الجهة الوحيدة التي امتلكت القدرة على استخدام القوة العسكرية لوقف الهجمات وحماية الدروز. وبالتالي، لم يعد التحوّل في مواقف شريحة واسعة من دروز الجولان تجاه اسرائيل مجرد مسألة جنسية أو اندماج مدني، بل أصبح مرتبطاً بمفهوم الأمن الوجودي للأقلية الدرزية في المنطقة ككل.
الخطاب السياسي السوري بشأن الجولان:
بعد انهيار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 بين اسرائيل ونظام الأسد، سيطرت اسرائيل على المنطقة العازلة مع سوريا، وقمة جبل الشيخ الاستراتيجية. وقد بررت اسرائيل هذه الإجراءات بشكوكها حول نظام الشرع تبعاً لخلفيته الراديكالية الجهادية. وفيما بعد التدخل العسكري الاسرائيلي خلال العام 2025 لحماية الدروز؛ بات الجولان جزءاً من تفاوض سوري اسرائيلي حول شكل الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري. فقد جرى عقد عدة جولات من المفاوضات بين مسؤولين اسرائليين وسوريين برعاية أمريكية بهدف التوصل لاتفاق أمني شامل، وشددت اسرائيل مراراً على مجموعة من المطالب أبرزها وجود منطقة عازلة في الجنوب السوري ككل، يُمنع فيها أي تواجد لقوات عسكرية، وبما يضمن أمن الدروز في السويداء وبقية مناطق الجنوب.
في 17 آب الحالي، نفذ الطيران الحربي الاسرائيلي غارات جوية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري شمال سوريا، حيث صرّح المستوى السياسي الاسرائيلي عن مجموعة رسائل جرى نقلها إلى نظام الشرع بما يتعلق بعدم قبول اسرائيل بأي تواجد عسكري تركي في سوريا، لا سيما في ظل الدعم العسكري والسياسي والاستخباراتي الذي تقدمه أنقرة لنظام الشرع. وفي ما بعد تنفيذ هذه الضربات، عاد ملف الجولان للخطاب السياسي السوري، حيث أدلى وزير الخارجية أسعد الشيباني بتصريحات تضمنت الإشارة إلى أن نظام الشرع يسعى لحل الخلافات مع اسرائيل، وأن أية محادثات بخصوص الترتيبات الأمنية معها توقفت بعد قيامها بتنفيذ الغارات الجوية على مطار أبو الظهور. وقد ظهر مجدداً ملف الجولان خلال الخطاب السياسي السوري في إشارة إلى أن بحث أية ترتيبات أمنية ستشمل هذا الملف أيضاً.
من منظور استراتيجي، تبدو إعادة الجولان إلى الخطاب السياسي لنظام الشرع مرتبطة إلى حد كبير، بتصاعد الخلافات السورية الإسرائيلية واحتمال تحولها إلى مواجهة عسكرية؛ أكثر من كونها تعبيراً عن أولوية ثابتة في عقيدة هذا النظام. ويكتسب ذلك دلالة خاصة في ظل ما جرى خلال قمة حلف الناتو في أنقرة في 7 تموز/يوليو 2026، حيث أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التأكيد على موقفه السابق بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان عام 2019 أمام الرئيس الشرع. وبناء على ذلك، يمكن قراءة استدعاء ملف الجولان من جانب نظام الشرع باعتباره أداة تفاوض وضغط لإعادة تشكيل شروط الترتيب الأمني مع إسرائيل، أكثر من كونه تحولاً جوهرياً في أولويات السياسة السورية تجاه هذا الإقليم. ففي الوقت الذي صرّح فيه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن التمسّك بالسيادة السورية على الجولان، يتغاضى نظام الشرع إلى حد كبير عن الوجود العسكري الفعلي لتركيا في مناطق واسعة في شمال سوريا، ويبدو أنه يركّز على الجولان ضمن مسار التفاوض مع اسرائيل التي باتت تعتبر أن أي وجود تركي في سوريا هو بمثابة خطر استراتيجي على أمنها.
خلاصة تحليلية:
لم تعد معادلة الجولان قابلة للاختزال في مسألة السيطرة العسكرية الإسرائيلية عليه، أو في الجدل القانوني حول السيادة على الإقليم، بل انتقلت تدريجياً إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بإرادة السكان، وبالأمن، وبالهوية السياسية التي تشكلت لديهم خلال عقود من الانفصال عن الدولة السورية. وبات لهذا البعد وزن إضافي مع التحولات الإقليمية الأخيرة، لا سيما ما حدث بحق الدروز في السويداء من مجازر وانتهاكات جسيمة. وهنا، يمكن القول أن اسرائيل نجحت فعلياً في تكريس شرعية واقعية ضمن هذا الإقليم، بما يتجاوز النزاع القانوني الدولي وقرار مجلس الأمن رقم 497.
وتكمن النتيجة الاستراتيجية الأهم في أن التغيير في السويداء قد أنتج أثراً جيوسياسياً يتجاوز حدودها، فالشريحة الأوسع من الدروز هناك تطالب بالاستقلال السياسي عن المركز في دمشق، بغض النظر عن طبيعة وشكل هذا الانفصال، وهو ما انعكس بشكل مباشر على واقع المجتمع الدرزي في الجولان، وسيؤثر بشكل مباشر أيضاً على الوضع القانوني المتعلق به مستقبلاً، حيث تزداد القناعة لدى هذا المجتمع بأن أمنهم مرتبط بالمؤسسات الاسرائيلية أكثر من ارتباطهم بالمركز السوري الذي تزداد كلفة مشروعه لاستعادة الإقليم حتى ولو بقيت مطالبته به ثابتة من الناحية القانونية.
[1] – Lt Col Richard Pecinka, High Stakes on High Ground: “The Golan Heights, a Zero-sum Game for Regional Dominance.”, Combined Strategic Analysis Group (CSAG), strategy paper, 20 November, 2024, PP: 1-2.
[2] – https://thegolan.org/?page_id=420
[3] – https://thegolan.org/?page_id=712
[4] – Record number of Golan Druze apply for Israeli citizenship: As of mid-2025, 6,006 Druze in the Golan, roughly 20% of the 29,000-strong community, hold Israeli citizenship. https://www.i24news.tv/en/news/israel/society/artc-druze-citizenship-applications-in-golan-double-in-2025
[5] – A/HRC/61/CRP.7. 27 March 2026.
