سوريا بديل هرمز؟ بين إغراء الجغرافيا وقسوة الأرقام

بقلم الزميل غير المقيم الدكتور المهندس سامر عثمان

بالتعاون مع جمعية إثنيكوس اللاذقية – أنترادوس Ethnikos Association of Latakia–Antaradus

الدكتور المهندس سامر عثمان هو أكاديمي وخبير دولي متعدد التخصصات، حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة ذات الصلة بالأنظمة العضوية والتطبيقات المستدامة. يمتلك خبرة مهنية متقدمة كمفتش دولي معتمد لصالح الاتحاد الأوروبي في مجال المنتجات العضوية وأنظمة الجودة، بما في ذلك معايير ISO و Global GAP، حيث ساهم في تقييم وتطوير سلاسل الإنتاج وفق أعلى المعايير الدولية.

إلى جانب مسيرته التقنية، يُعد الدكتور عثمان محاضرًا وخبيرًا في الاقتصاد السياسي والعلاقات الجيوسياسية، مع تركيز بحثي على تداخل الاقتصاد مع موازين القوة الدولية وتحولات النظام العالمي. يجمع في عمله بين التحليل الهندسي الصارم والرؤية الاقتصادية الاستراتيجية، ما يتيح له مقاربة متعددة الأبعاد للقضايا الدولية المعقدة.

تتمحور اهتماماته البحثية حول ديناميكيات القوة في النظام الدولي، وحدود النفوذ الإمبراطوري المعاصر، وتأثير الحروب الممتدة على البنى الاقتصادية والسياسية للدول الكبرى


إعداد: الدكتور المهندس سامر عثمان

الملخص التنفيذي

تتناول هذه الدراسة مدى واقعية الطروحات السياسية والإعلامية التي تتحدث عن إمكانية تحول سوريا إلى بديل لمضيق هرمز كممر لتصدير النفط والطاقة من الخليج والعراق نحو البحر المتوسط. وتنطلق الدراسة من التمييز بين الأهمية الجيوسياسية الحقيقية للموقع السوري وبين المبالغات التي تقدم هذه الفرصة الاستراتيجية طويلة الأمد باعتبارها مشروعًا جاهزًا أو قريب التحقق.

وتُظهر المقارنة بين حجم التدفقات النفطية عبر مضيق هرمز، التي تجاوزت 20 مليون برميل يوميًا في الظروف الطبيعية، وبين الطاقة الأولية المتوقعة للممر العراقي–السوري المقدرة بنحو مليوني برميل يوميًا، أن الحديث عن استبدال هرمز لا يستند إلى معطيات كمية واقعية. كما تشير الدراسة إلى أن تنفيذ مشروع الممر العراقي–السوري يتطلب استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار وفترة زمنية تقارب أربع سنوات، في حين أن تحويل سوريا إلى ممر إقليمي متكامل للطاقة يحتاج إلى استثمارات أكبر وأفق زمني أطول.

وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لسوريا تكمن في إمكانية تحولها إلى منفذ غربي إضافي للعراق، وربما مستقبلًا لجزء من منظومة الطاقة الخليجية باتجاه البحر المتوسط، وليس في استبدال مضيق هرمز.

مقدمة

شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يروج لفكرة تحول سوريا إلى ممر بديل لمضيق هرمز، من خلال مشاريع لنقل النفط والغاز من الخليج والعراق إلى الساحل السوري على البحر المتوسط. وتستند هذه الطروحات إلى عوامل جغرافية حقيقية وإلى حاجة متزايدة لتنويع مسارات تصدير الطاقة في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة.

غير أن الانتقال من الإمكانية النظرية إلى الواقع العملي يتطلب توافر مجموعة واسعة من المقومات الاقتصادية والمالية والتقنية والسياسية. فبين الفرصة الجغرافية والمشروع التشغيلي القادر على نقل ملايين البراميل يوميًا توجد فجوة كبيرة تتطلب سنوات من العمل واستثمارات بمليارات الدولارات وبنية تحتية متطورة واستقرارًا سياسيًا وأمنيًا طويل الأمد.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم هذه الطروحات استنادًا إلى الأرقام والمعطيات الواقعية بعيدًا عن المبالغات الإعلامية.

أولًا: مضيق هرمز ومعضلة المقارنة الكمية

قبل تقييم إمكانية تحول سوريا إلى بديل لمضيق هرمز، لا بد من فهم حجم الدور الذي يؤديه هذا المضيق في منظومة الطاقة العالمية.

تشير البيانات إلى أن مضيق هرمز شهد مرور ما يقارب 20–21.6 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية خلال الفترات الطبيعية، وهو ما يمثل نحو خمس الاستهلاك النفطي العالمي. وفي المقابل، فإن التصورات المتداولة للممر العراقي–السوري تتحدث عن قدرة أولية تقارب مليوني برميل يوميًا فقط.

وبناءً على هذه الأرقام، فإن القدرة المتوقعة للمشروع العراقي–السوري لا تتجاوز نحو 10% من حجم التدفقات الطبيعية المرتبطة بمضيق هرمز، ما يجعل وصف سوريا بأنها «بديل لهرمز» توصيفًا سياسيًا وإعلاميًا أكثر منه توصيفًا اقتصاديًا أو هندسيًا دقيقًا.

ثانيًا: البنية التحتية المطلوبة وتحديات التنفيذ

يُفترض أحيانًا أن خط كركوك–بانياس التاريخي ما زال قادرًا على استيعاب تدفقات نفطية كبيرة، إلا أن الواقع يشير إلى أن البنية التحتية القائمة لا تفي بمتطلبات مشروع حديث قادر على نقل ملايين البراميل يوميًا.

وتشير التقديرات المنشورة إلى أن مشروع خط النفط العراقي–السوري المقترح قد يحتاج إلى استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار، إضافة إلى فترة تنفيذ تقارب أربع سنوات. إلا أن هذه التقديرات تمثل الحد الأدنى للكلفة المتوقعة، نظرًا لما قد يطرأ من زيادات مرتبطة بالتضخم والأعمال الهندسية ومتطلبات الأمن وإعادة التأهيل وتطوير الموانئ ومحطات الضخ والتخزين.

وبالتالي فإن المشروع لا يمكن اعتباره مجرد قرار سياسي، بل هو مشروع استراتيجي ضخم يحتاج إلى تمويل طويل الأجل وضمانات استثمارية وسياسية واسعة النطاق.

ثالثًا: تكلفة التحول إلى ممر إقليمي للطاقة

إذا كان الهدف يتجاوز إنشاء خط عراقي باتجاه بانياس ليشمل تحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة الخليجية نحو البحر المتوسط، فإن حجم الاستثمارات المطلوبة سيرتفع بصورة كبيرة.

وسيتطلب ذلك إنشاء خطوط إضافية للنفط والغاز، ومحطات ضخ وخزانات استراتيجية، وربط الحقول ومراكز التجميع، وتطوير الموانئ، وتحديث شبكات الكهرباء، وتعزيز منظومات الحماية والمراقبة.

وفي هذه الحالة، قد ترتفع الكلفة الإجمالية إلى عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يجعل الحديث عن ممر إقليمي متكامل للطاقة مختلفًا جذريًا عن مجرد إعادة تشغيل خط نفطي منفرد.

رابعًا: عامل الزمن وأفق التنفيذ

حتى في حال توافر التمويل والاتفاقات السياسية بصورة فورية، فإن مشاريع الطاقة العابرة للحدود تتطلب فترات زمنية طويلة نسبيًا.

فدراسات الجدوى والتصميمات الهندسية والتعاقدات وأعمال الإنشاء والاختبارات والتشغيل تحتاج إلى سنوات قبل الوصول إلى مرحلة التشغيل التجاري الكامل. وتشير التقديرات إلى أن المشروع العراقي–السوري قد يحتاج إلى نحو أربع سنوات، بينما قد يتطلب إنشاء ممر إقليمي متكامل للطاقة ما بين خمس وعشر سنوات أو أكثر وفقًا للظروف السياسية والأمنية وحجم المشروع.

خامسًا: البدائل الخليجية القائمة

تفترض بعض الطروحات أن دول الخليج تعتمد بشكل كامل على مضيق هرمز، إلا أن الواقع يبين وجود بدائل قائمة بالفعل.

فالسعودية تمتلك خط شرق–غرب الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تمتلك الإمارات خط أبوظبي–الفجيرة الذي يسمح بتصدير النفط مباشرة إلى بحر العرب بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يوميًا.

وتؤكد هذه المعطيات أن دول الخليج تمتلك بالفعل مسارات بديلة عاملة، ما يحد من صحة التصورات التي تقدم سوريا باعتبارها الخيار الوحيد لتجاوز هرمز.

سادسًا: الفرصة السورية الحقيقية

على الرغم من المبالغات المتداولة، فإن ذلك لا ينفي وجود فرصة استراتيجية حقيقية أمام سوريا.

فالموقع الجغرافي السوري يمنح العراق منفذًا غربيًا إضافيًا نحو البحر المتوسط، وهو ما يساهم في تنويع مسارات التصدير وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على اتجاه واحد للصادرات النفطية.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة تحويل سوريا إلى منفذ استراتيجي للعراق أكثر واقعية بكثير من فكرة استبدال مضيق هرمز.

سابعًا: النشاط التجاري الحالي وحدود دلالاته

شهد عام 2026 استخدام الطريق البري عبر سوريا لنقل زيت الوقود العراقي باتجاه بانياس، حيث وصلت حركة النقل إلى نحو 900 شاحنة صهريج يوميًا خلال بعض الفترات.

ويمثل هذا التطور مؤشرًا على قابلية الممر للاستخدام التجاري، إلا أنه لا يمكن اعتباره دليلًا على وجود بنية تحتية قادرة على نقل ملايين البراميل يوميًا، نظرًا للفارق الكبير بين النقل بالشاحنات والنقل عبر خطوط الأنابيب الاستراتيجية.

ثامنًا: الجدوى الاقتصادية والأسواق المستهدفة

ترتبط غالبية صادرات النفط الخليجية بالأسواق الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

ومن ثم فإن نقل النفط من الخليج إلى المتوسط عبر العراق وسوريا لا يحقق بالضرورة أفضلية اقتصادية في جميع الحالات، خصوصًا إذا كان الهدف النهائي هو إعادة شحنه نحو الأسواق الآسيوية. أما بالنسبة للأسواق الأوروبية والمتوسطية، فإن الممر السوري قد يوفر قيمة اقتصادية أكبر.

تاسعًا: من أنبوب نفط إلى ممر اقتصادي متكامل

لكي يصبح المشروع مجديًا اقتصاديًا على المدى الطويل، ينبغي ألا يقتصر على نقل النفط وحده.

فالخيار الأكثر استدامة يتمثل في إنشاء ممر اقتصادي متكامل يشمل النفط والغاز والكهرباء والسكك الحديدية والموانئ والتخزين والتكرير والصناعات البتروكيميائية والمناطق اللوجستية.

ومن خلال هذا النموذج تستطيع سوريا تحقيق عوائد مستدامة من العبور والتخزين والتكرير والخدمات البحرية والأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة.

عاشرًا: التحدي السياسي والأمني

تبقى التحديات السياسية والقانونية والأمنية العامل الحاسم في نجاح المشروع.

فالمستثمرون الدوليون لا يركزون فقط على الجوانب الهندسية، بل يهتمون أيضًا بالضمانات القانونية واستقرار العقود وآليات التحكيم وحماية البنية التحتية واستمرارية تدفقات النفط لعقود طويلة.

ولهذا يصبح الاستقرار السياسي والقانوني جزءًا أساسيًا من البنية التحتية المطلوبة للمشروع، شأنه شأن الأنابيب والموانئ ومحطات الضخ.

الخلاصة

تمتلك سوريا فرصة جيوسياسية واقتصادية مهمة للاستفادة من موقعها الجغرافي وتحويله إلى عنصر فاعل في منظومة الطاقة الإقليمية. إلا أن المعطيات الرقمية والاقتصادية تشير بوضوح إلى أن الحديث عن استبدال مضيق هرمز لا ينسجم مع القدرات المتوقعة للمشاريع المطروحة ولا مع متطلبات تنفيذها.

وتتمثل الفرصة الواقعية في تطوير سوريا تدريجيًا كممر إضافي للطاقة العراقية وربما الخليجية نحو البحر المتوسط، ضمن مشروع طويل الأمد يتطلب استثمارات ضخمة واستقرارًا سياسيًا وأمنيًا وبنية تحتية متطورة.

وعليه، فإن التمييز بين الإمكانية النظرية والمشروع الفعلي والإنجاز الاقتصادي المكتمل يبقى شرطًا ضروريًا لفهم القيمة الحقيقية لهذه الفرصة الاستراتيجية.

المصادر والمراجع:

  1. U.S. Energy Information Administration (EIA), Short-Term Energy Outlook – Global Energy Security Data, August 2026.

بيانات تدفقات النفط عبر مضيق هرمز: 20.9 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من 2025، وصولًا إلى 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من 2025، إضافة إلى بيانات تدفقات النفط عبر الممرات البحرية العالمية.

  1. Reuters, “New Syria-Iraq crude pipeline still years away, sources say”, 17 August 2026.

المصدر الأساسي لتقدير كلفة مشروع خط النفط العراقي–السوري بما لا يقل عن 15 مليار دولار، وفترة بناء تقدر بنحو أربع سنوات، والطاقة الأولية المستهدفة بنحو مليوني برميل يوميًا، مقارنة بنحو 300 ألف برميل يوميًا للخط التاريخي.

  1. Reuters, “US imports first fuel oil cargoes shipped via Syria as Iraq leverages new export route”, 23 July 2026.

حول بدء استخدام العراق لميناء بانياس كمسار بديل لتصدير زيت الوقود، وتشغيل نحو 900 شاحنة صهريج يوميًا، ووصول الشحنات عبر بانياس إلى الولايات المتحدة وإسبانيا ومصر.

  1. Iraqi News Agency (INA), Ministry of Oil – Basra–Haditha Pipeline Project, 7 May 2026.

حول مشروع خط البصرة–حديثة وطاقة نقل مستهدفة تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، وإمكانية توجيه النفط عبر ثلاثة مسارات تصديرية هي بانياس في سوريا، وجيهان في تركيا، والعقبة في الأردن.

  1. The National, “Iraq starts work on Basra-Haditha pipeline for crude oil exports”, 1 May 2026.

حول طول خط البصرة–حديثة البالغ نحو 700 كيلومتر، وطاقة 2.5 مليون برميل يوميًا، والمخصصات الأولية للمشروع التي بلغت نحو 1.5 مليار دولار.

  1. U.S. Energy Information Administration (EIA), UAE and Saudi Arabia oil export infrastructure, 2026.

حول خط أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة (ADCOP) بطاقة قصوى حالية تقارب 1.8 مليون برميل يوميًا، وخط شرق–غرب السعودي إلى ينبع بطاقة إجمالية تبلغ نحو 7 ملايين برميل يوميًا، منها نحو 5 ملايين برميل يوميًا متاحة للصادرات.

  1. U.S. Energy Information Administration (EIA), World Oil Transit Chokepoints.

مرجع مقارن حول مضيق هرمز وخطوط الأنابيب البديلة والممرات البحرية الاستراتيجية وقدراتها في منظومة أمن الطاقة العالمية.

  1. Reuters and U.S. Energy Information Administration, 2026 energy-security reporting and data.

للمقارنة بين القدرات الفعلية للممرات القائمة والمشاريع المقترحة، وتأثير اضطرابات مضيق هرمز في إعادة توجيه تدفقات الطاقة في المنطقة.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى