سلسلة أزمة الدولة في العالم الإسلامي القسم الأول: أزمات بلاد المسلمين

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الكتب
والأبحاث والدارسات في السياسة والاقتصاد ونقد التاريخ.
لم تفتأ بلاد المسلمين منذ ظهور الدَّولة الوطنيَّة الحديثة فيها ، تنتقل من طورٍ إلى طور أسوأ من سابقه، حتَّى انتشرت الفِتن والملاحم في كثير منها، وشاع فيها القتل وسفك الدّماء، وانتشرت الأزمات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة حتَّى كادت تطبق على أكثرها.
وقد كان أمر هذه البلدان أقرب إلى الاستقرار والسّكينة وصلاحِ الأحوال عند بدء ظهور الدَّولة الوطنيَّة الحديثة في عهد الانتداب الأجنبيّ عليها ، وبعد رحيله عنها وبدءِ عهد الاستقلال فيها.
ثمَّ لم تزل تضطرب الأحوال السّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة فيها، وتمور بها الأزمات، وتنقلب فيها الجيوش على الأنظمة الشّرعيَّة الحاكمة، وتخلع الحكام الذين تبوأوا مقاعدهم عبر انتخابات وطنية، وتبسط سيطرتها على السياسة والاقتصاد والإدارة، ولم تزل كذلك حتى غَلَت المراجل بالفتن المذهبيَّة والطائفيَّة والقوميَّة والقبليَّة والجهويَّة، ووقعت الحرب الداخليَّة، وتقوّضت أركان الدّولة في أكثر بلاد المسلمين.
والنَّاظر المتبصّر يرى أن حال هذه البلاد لا يخلو من أحد أمرين : فإمّا أنّها قد انزلقت إلى الفوضى وزوال بنيان الدَّولة الوطنيَّة الحديثة فيها، أو أنَّها في طريقها إلى مصير أخواتها الّتي سبقتها إلى طور تفكُّك عرى الدّولة فيها.
وسنعرض في سلسلة الدراسات هذه، أزمات معظم بلاد المسلمين من إندونيسيا إلى السّنغال، ونكشف فيها عن علل وأسباب نشأة هذه الأزمات.
ثمَّ نعرض في هذه الدراسات حلول العُقَدِ المستعصيّة في تلك البلدان، ونتحدث عن حالتي الدَّولة الحديثة في العالم الإسلاميّ :
الأولى – حين تكون الدَّولة الحديثة عِبئاً وحملاً ثقيلاً على كاهل بلاد
المسلمين، وأزمة إضافيَّة زائدة على أزماتها التّقليديَّة.
الثَّانية: حين تكون الدَّولة الحديثة حلاً لأزمات هذه البلدان، وذلك حين يتمّ الوفاء بشروط إقامة الدَّولة الحديثة فيها، وعندها تضع الحروب في تلك البلدان أوزارها، وتخمد نيران الفتن الطائفيَّة والقوميَّة والجهويَّة، وينتشر الاستقرار السّياسيّ، وتنطلق مسيرة التنمية الاقتصاديَّة وتنشأ دولة القانون فيها.
الفصل الأول: العوامل الهيكلية والجيوسياسية لأزمات الحدود والدولة المعاصرة