ندوة في مركز “ICGER” حول الوقائع السياسية التي سبقت حادثة كربلاء

نظّم المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي (ICGER) ضمن سلسلة ندواته الفكرية حول التاريخ السياسي الإسلامي، ندوةً يوم الجمعة 26 يونيو 2026، تحدّث فيها رئيس المركز، الدكتور محمد وليد يوسف، عن الوقائع السياسية التي أدت إلى افتراق المسلمين بين سنة وشيعة، وهي الوقائع التي سبقت “واقعة كربلاء” التي قُتل فيها الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد نبي الإسلام محمد.
واستُهلّت الندوة بمقدمة لمديرها الدكتور عماد غنوم، الذي أشار إلى أهمية هذه الندوة ضمن المسار الفكري الذي يعتمده المركز في مقاربة الأحداث التاريخية الكبرى، ولا سيما تلك التي ما تزال فاعلة في الوعي الإسلامي، ومؤثرة في المجالين السياسي والاجتماعي إلى يومنا هذا.
وأكّد الدكتور غنوم أن الندوة تكتسب أهميتها من كونها لا تتعامل مع التاريخ بوصفه سردًا للماضي فحسب، بل بوصفه عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الحاضر وفهم تحوّلاته.
كما شدّد على أهمية المنهج العلمي الرصين الذي يعتمده الدكتور محمد وليد يوسف في قراءة التاريخ الإسلامي، من خلال النظر إلى الوقائع التاريخية ضمن سياقاتها السياسية، بعيدًا من القراءة التجزيئية أو العاطفية. ولفت إلى أن حادثة كربلاء، بما لها من أثر عميق في التاريخ والوجدان الإسلامي، لا يمكن فهمها بمعزل عن الأحداث الجسام التي سبقتها، منذ وفاة نبي الإسلام محمد، مرورًا بانتقال الخلافة وما رافق ذلك من تحولات سياسية، وصولًا إلى السياق الذي مهّد لوقوع حادثة كربلاء.
بعد ذلك، تحدّث الدكتور محمد وليد يوسف، متناولًا جملة من القضايا التاريخية والسياسية التي سبقت واقعة كربلاء. فاستعرض المرحلة الأخيرة من حياة نبي الإسلام محمد، ثم انتقال الخلافة إلى أبي بكر، وما شهده عهده من أحداث سياسية كبرى، وكيفية إدارته لدولة الخلافة الناشئة في مرحلة دقيقة من تاريخ المسلمين.
ثم انتقل إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، متوقفًا عند التحولات الإدارية والسياسية التي شهدتها الدولة الإسلامية في عهده. ورأى يوسف أن عمر بن الخطاب أرسى قواعد الإمبراطورية ومؤسساتها، لا بوصفه واضعًا لنظرية سياسية مجردة، بل بوصفه قائدًا منقادًا لحركة التاريخ وظهور الإمبراطوريات الناشئة.
وأشار إلى أن عمر، وإن لم يؤسس دولة ديمقراطية بالمفهوم الحديث، فقد أسس دولة قائمة على العدل والتنظيم والإدارة، وبلغ عدد أفراد جهازها الإداري نحو سبعة آلاف فرد.
وتطرق الدكتور يوسف إلى تأسيس نظام الدواوين في عهد عمر بن الخطاب، مشيرًا إلى أنه استلهم بعض نماذجه من التجربة الفارسية، وأن العالم الإسلامي ظلّ يعتمد، في جوانب واسعة من تنظيمه الإداري، على الأسس التي أُرسيت في تلك المرحلة في الإمبراطوريات التي كانت قائمة.
كما أوضح أن عمر نظم شؤون المال والجند والولايات والأعمال والقضاء، الأمر الذي جعله المؤسس الفعلي للبنية المؤسسية الأولى للدولة الإسلامية وفق توصيف علم الاجتماع السياسي عند ماكس فيبر.
وفي هذا السياق، ميّز يوسف بين الإدارة السياسية أو السلطات التي قامت في المدينة زمن نبي الإسلام، وبين مفهوم الدولة المؤسسية بالمعنى الإداري والسياسي اللاحق.
وتطرّق الدكتور يوسف بعد ذلك إلى انتقال الخلافة إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والآلية التي جرى من خلالها هذا الانتقال، ثم عرض جملة من الوقائع التي وصفها بأنها شكّلت تراجعًا عن القواعد التكوينية للدولة التي أُرسيت في عهد عمر بن الخطاب.
وتناول عهد عثمان بالتفصيل، متوقفًا عند قضايا تتصل بتولية الأقارب، وإدارة المال العام، والتعامل مع المخالفات السياسية والإدارية، وإطلاق يد بعض الولاة في إدارة شؤون الولايات.
وقد أحصى الدكتور يوسف، تسع عشرة واقعة اعتبرها مضادة لمنطق الدولة ومؤسساتها في عهد عثمان بن عفان دفعت الناس للثورة عليه.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن هذه الجلسة تأتي ضمن سلسلة متكاملة من الندوات التي سيتابع فيها المركز قراءة المراحل المفصلية في التاريخ الإسلامي، وصولًا إلى واقعة كربلاء، بما تمثله من حدث تاريخي عميق ترك آثاره الممتدة في الوعي الإسلامي والسياسي المعاصر.




