سلسلة دراسات القوانين السياسية المادية القسم الأول: عالمُ السياسة… وعلمُ السياسة

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الكتب والأبحاث والدارسات في السياسة والاقتصاد ونقد التاريخ
لقد حرص الحكماء منذ عهد سقراط وأفلاطون إلى يومنا هذا على أن يحكم النَّاس أحكمهم وأرجحهم عقلاً وأوسعهم نظراً وأبعدهم غوراً وأكثرهم أناة وأحلمهم خلقاً، وذلك حتَّى يسكن النَّاس ويأمنوا غائلة ظلم الحكّام في معاشهم وحياتهم ومستقبلهم. وذلك لأنَّهم اعتقدوا أن السِّياسة إنَّما هي أفعال وسلوك الحاكم، فإن فسد الحاكم فسدت السِّياسة وإن صلح الحاكم صلحت الحياة السِّياسيّة، ولم يزل الأمر على هذه الحال حتَّى يومنا هذا، ولم يبدِّل ميكافيللي في الأمر شيئاً حين أراد إنزال السِّياسة من الصياغات النَّظريَّة المثاليَّة إلى واقع الحال والواقعيَّة اليوميَّة، لأنَّه أسند السِّياسة تارة أُخرى إلى سلوك الحاكم وأفعاله ورغباته ومزاجه.
ومكثت السِّياسة ضمن الشروط الذاتيَّة، وغفلوا عن أنَّ الشروط الموضوعيَّة هي الّتي تحكم السِّياسة.
وقد تطوَّرت العلوم الأُخرى، وظهرت فيها القوانين والمعادلات عند النَّظر إلى الظَّاهرة ضمن شروطها الموضوعيَّة، وسواء في ذلك الفيزياء والميكانيك والهندسة والطِّب والاقتصاد.
وسنذهب في سلسلة دراساتنا هذه، إلى وضع قواعد وأسس مدرسة فكرية سياسية جديدة نذهب فيها إلى أن الظاهرة أو الواقعة السياسية هي واقعة موضوعية مستقلة قائمة بذاتها، سواءً كانت هذه الواقعة دولة أم أمّة أم حزباً فإنَّها تتبادل التَّأثير فيما بينها أسوة بالتَّأثير الَّذي تصنعه الذرّة في الذرّة المجاورة، وأسوة بالتَّأثير الذي تصنعه النّجوم والكواكب على بعضها عبر القوى الذريَّة أو قوى الجاذبيَّة.
ويسوقنا التفكير العميق في تأثير الوقائع السياسية على بعضها، إلا أن لعالم السِّياسة جملة إحداثيّات تتحرك فيها الواقعة السِّياسيَّة أسوة بحركة الجسم الماديّ في الفضاء الفيزيائيّ والَّذي يخضع لجملة إحداثيّات إقليدس.
وإن من مقاصدنا في سلسلة هذه الدراسات ضبط حركة الوقائع السياسية وتوقع الأحداث والطوارئ قبل وقوعها، لنشر السّلم والاستقرار السَّياسي الدوليّ، واجتناب الحروب ودرء الفتن والاضطراب، وإنهاء الأزمات السّياسيَّة.
الجزء الأول: القوانين الموضوعية وأطوار علم السياسة الأربعة
