الناتو الإسلامي برعاية أميركية: تحالف سُنّي جديد أم إعادة هندسة لأمن الشرق الأوسط؟

تتقدّم في الشرق الأوسط اليوم فكرةٌ قديمة بثوب جديد: قيام تحالف عسكري إسلامي، أو ما يمكن تسميته مجازًا بـ«الناتو الإسلامي»، يكون هدفه المعلن حماية الدول الإسلامية والعربية من أخطار الفوضى الإقليمية، وردع التهديدات العابرة للحدود، وبناء مظلة أمنية قادرة على ملء الفراغ الذي تركه تراجع الثقة بالضمانات الدولية التقليدية. غير أنّ هذه الفكرة، على الرغم من جاذبيتها النظرية، ليست مجرد مشروع دفاعي بريء؛ إنها تعبير عن تحوّل عميق في بنية الشرق الأوسط، وفي علاقة الولايات المتحدة بحلفائها، وفي طبيعة الصراع بين القوى الإقليمية الكبرى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التحوّل الجيوسياسي لم يكن غائبًا عن قراءة الدكتور محمد وليد يوسف، الذي رصد مبكرًا ملامح قيام هذا «الناتو الإسلامي» من خلال منهجه العلمي الرصين، القائم على دراسة الوقائع كما هي، لا كما يراد لها أن تبدو، وعلى فهم اتجاهاتها العميقة ووجاهتها الاستراتيجية. فقد انطلق في قراءته من تحليل حركة القوى الإقليمية والدولية، ومن تتبّع مسار التحالفات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، مستنتجًا أنّ المنطقة تتجه، بفعل تراكم الأزمات وتراجع قدرة المنظومات التقليدية على ضبط الصراع، نحو صيغة أمنية جديدة تتولاها قوى إسلامية مركزية برعاية أميركية مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا تبرز أهمية هذا الرصد؛ لأنه لا يتعامل مع فكرة الحلف بوصفها احتمالًا عابرًا، بل بوصفها نتيجة منطقية لتحولات كبرى في موازين القوة، وفي موقع تركيا والسعودية ومصر وباكستان، وفي حاجة الولايات المتحدة إلى شريك إقليمي واسع يتولى جزءًا من أعباء الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
لقد طُرحت فكرة التحالف الإسلامي سابقًا في سياق مواجهة النفوذ الإيراني، ولا سيما بعد تصاعد حضور طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. كان التصور الأولي يقوم على بناء محور سُنّي واسع يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان ودولًا خليجية وعربية أخرى، في مواجهة شبكة النفوذ الإيراني الممتدة عبر الحرس الثوري والحلفاء المحليين. لكن الشرق الأوسط لا يبقى ثابتًا على صورة واحدة. فالحروب الأخيرة، والتوتر المفتوح بين إسرائيل ومحورها الإقليمي من جهة، وبين دول وشعوب المنطقة من جهة أخرى، جعلت وظيفة هذا الحلف المحتمل أكثر تعقيدًا: فقد لا يكون موجّهًا ضد إيران وحدها، بل قد يتحول، في بعض السيناريوهات، إلى إطار ردع إقليمي في مواجهة إسرائيل أيضًا، إذا استمرت في فرض نفسها قوةً فوق القانون الإقليمي والدولي.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. فـ«الناتو الإسلامي» الذي كان يُفترض أن يكون أداة احتواء لإيران، قد يجد نفسه أمام معادلة جديدة: كيف يردع إسرائيل من دون أن يتحول إلى أداة حرب مفتوحة؟ وكيف يطمئن إيران بأنه ليس مصممًا لإسقاطها أو لمحاصرتها، وفي الوقت نفسه يضمن لدول الخليج حماية جدية من أي تهديدات إيرانية محتملة؟ هذه المعادلة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي قلب المشروع كله. فإذا فشل الحلف في تحديد عدوه بدقة، تحوّل إلى بنية عسكرية قلقة. وإذا حدد إيران وحدها عدوًا، خسر فرصة بناء توازن إقليمي أوسع. وإذا وضع إسرائيل وحدها في موقع الخصم، فقد يصطدم مباشرة بالمظلة الأميركية والغربية التقليدية. أما إذا صاغ نفسه كتحالف دفاعي لحماية سيادة الدول واستقرار المنطقة، لا كحلف مذهبي أو أيديولوجي، فقد يمتلك فرصة سياسية أكبر للبقاء.
من هذه الزاوية يمكن فهم التقارب اللافت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فقد أعلن ترامب، خلال لقائه أردوغان في قمة الناتو في أنقرة في تموز/يوليو 2026، أنه سيعمل على رفع العقوبات عن تركيا، وأنه سينظر في مسألة بيع مقاتلات F-35 لأنقرة، وهي خطوة ترتبط منذ سنوات بالخلاف حول منظومة S-400 الروسية التي اشترتها تركيا. كما أشارت تقارير صحافية إلى أن هذه الخطوة ما تزال تواجه عقبات قانونية وداخلية في الولايات المتحدة، فضلًا عن اعتراضات إسرائيلية واضحة، إذ حذّر بنيامين نتنياهو من أن حصول تركيا على F-35 قد يغيّر ميزان القوة في الشرق الأوسط.
ليست صفقة F-35 تفصيلًا عسكريًا فقط. إنها، إذا تمت، ستعني إعادة إدخال تركيا إلى قلب الهندسة الأمنية الأميركية في المنطقة، بعد سنوات من التوتر مع واشنطن. وستمنح أنقرة قدرة جوية نوعية تجعلها طرفًا مركزيًا في أي تحالف إقليمي مستقبلي. تركيا هنا ليست دولة عادية في الحسابات الأميركية: إنها عضو في الناتو، تمتلك جيشًا كبيرًا، موقعًا جغرافيًا حاسمًا، نفوذًا في البحر الأسود والقوقاز وسوريا وشرق المتوسط، وعلاقات متشابكة مع العالم العربي والإسلامي. لذلك فإن الرهان الأميركي على تركيا ليس مجرد مجاملة شخصية بين ترامب وأردوغان، بل قد يكون جزءًا من تصور أوسع لتوزيع أعباء الأمن الإقليمي على الحلفاء المحليين بدل الاعتماد الدائم على التدخل الأميركي المباشر.
هذا ينسجم مع مبدأ أميركي أوسع: تقليل الكلفة المباشرة للهيمنة، وزيادة مساهمة الحلفاء في الدفاع عن أنفسهم. فالاستراتيجية الدفاعية الأميركية لعام 2026 تؤكد بوضوح أهمية تقاسم الأعباء مع الحلفاء والشركاء، في ظل تركيز واشنطن المتزايد على ردع الصين ومواجهة صعودها العالمي. ومن ثمّ، فإن قيام تحالف إقليمي قوي في الشرق الأوسط يخدم مصلحة أميركية مزدوجة: إبقاء المنطقة تحت سقف النفوذ الأميركي، وفي الوقت نفسه تحرير جزء من الطاقة الاستراتيجية الأميركية للتفرغ للمسرح الآسيوي والمنافسة مع بكين.
لكن السؤال الحاسم هو: من سيكون داخل هذا الحلف؟ تركيا وحدها لا تكفي، والسعودية وحدها لا تكفي، ومصر وحدها لا تكفي، وباكستان وحدها لا تكفي. إن أي «ناتو إسلامي» جدي يحتاج إلى أربعة أعمدة رئيسية: الثقل المالي والسياسي السعودي، العمق العسكري والبشري المصري، القدرات العسكرية والتكنولوجية التركية، والردع النووي الباكستاني غير المعلن كعامل توازن نفسي واستراتيجي. وقد برزت في السنوات الأخيرة مؤشرات على تنامي التعاون بين هذه القوى، ولا سيما في ظل الحديث عن أطر أمنية تجمع تركيا وباكستان والسعودية ومصر، فضلًا عن الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني الذي عُدّ خطوة مهمة في اتجاه إعادة تشكيل البنية الأمنية الإقليمية.
غير أن الحلف لا يقوم بمجرد جمع الدول الكبرى في بيان سياسي. فهناك عقبات بنيوية لا يمكن تجاهلها. أولها التباين العميق في المصالح: تركيا لها حساباتها في سوريا والعراق وشرق المتوسط؛ السعودية تركّز على أمن الخليج والبحر الأحمر ومشروعها التنموي؛ مصر تعطي الأولوية لأمن قناة السويس وليبيا والسودان وشرق المتوسط؛ باكستان تتحرك بحذر بين علاقاتها مع السعودية وإيران والصين. وثانيها الحساسية المذهبية: إذا ظهر الحلف بوصفه «ناتو سُنّيًا» صريحًا، فسيدفع إيران إلى اعتباره تهديدًا وجوديًا، وسيعمّق الانقسام السني ـ الشيعي بدل احتوائه. وثالثها الموقف من إسرائيل: هل سيكون الحلف أداة ضغط وردع سياسي وعسكري، أم سيبقى محكومًا بالخطوط الحمراء الأميركية؟ ورابعها غياب الثقة العربية ـ التركية في بعض الملفات، رغم تحسن العلاقات في السنوات الأخيرة.
لذلك، فإن الصيغة الأكثر واقعية ليست «ناتو إسلاميًا» بالمعنى المذهبي الصلب، بل «منظومة أمن إقليمي إسلامية ـ شرق أوسطية» ذات مستويات متعددة. المستوى الأول دفاعي: حماية الأجواء والممرات البحرية والبنى التحتية الحيوية من الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية. المستوى الثاني سياسي: منع الاعتداء على سيادة الدول، سواء جاء التهديد من إيران أو إسرائيل أو الميليشيات العابرة للحدود. المستوى الثالث ردعي: بناء قدرة عسكرية مشتركة تجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها. والمستوى الرابع تفاوضي: استخدام القوة الجماعية لا لإشعال الحرب، بل لفرض تسويات أكثر عدلًا وتوازنًا.
في هذا الإطار، قد يكون الموقف من إيران هو الاختبار الأهم. فإذا أُقنعت طهران بأن هذا الحلف لا يستهدف إسقاط النظام الإيراني ولا تطويق إيران كدولة، بل يستهدف منع الاعتداءات وحماية الدول من أي نفوذ مسلح خارج الحدود، فقد تتعامل معه كواقع إقليمي يمكن التفاوض معه. أما إذا قُدّم الحلف بوصفه جبهة سُنّية ضد إيران، فسيؤدي إلى نتيجة عكسية: سباق تسلح، تصعيد عبر الوكلاء، واستنزاف طويل لدول الخليج والمنطقة. من هنا، يجب التمييز بين ردع إيران وشيطنة إيران. الردع ضرورة سياسية، أما الشيطنة فهي وصفة لحرب لا تنتهي.
أما إسرائيل، فإنها تنظر بقلق إلى أي تحالف إقليمي يمتلك قوة عسكرية حقيقية خارج سيطرتها أو خارج الضمانات الأميركية التقليدية. الاعتراض الإسرائيلي المحتمل على حصول تركيا على F-35 ليس نابعًا من الملف التركي وحده، بل من الخشية من تبدل ميزان القوة النوعي في الشرق الأوسط. فإسرائيل اعتادت أن تكون القوة العسكرية الأكثر تفوقًا في الإقليم. وأي تحالف يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، ويحظى بتسليح أميركي متقدم، قد يفرض لأول مرة معادلة ردع إقليمية أوسع، لا تسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية مطلقة من دون حساب للكلفة السياسية والعسكرية.
مع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في التفاؤل. فالولايات المتحدة قد ترعى تحالفًا كهذا، لكنها لن تسمح بسهولة بتحوله إلى قوة مستقلة بالكامل عن إرادتها. واشنطن تريد حلفاء أقوياء بما يكفي لحماية مصالحها، لا أقوياء بما يكفي لمعارضة استراتيجيتها. وهذه هي العقدة الجوهرية في فكرة «الناتو الإسلامي برعاية أميركية»: هل يمكن لحلف ترعاه واشنطن أن يتحول إلى قوة توازن حقيقية، أم سيبقى أداة لضبط الشرق الأوسط لا لتحرير قراره الأمني؟
الإجابة تتوقف على قدرة الدول الإسلامية الكبرى على بناء رؤية مشتركة تتجاوز ردود الفعل. إن الحلف الناجح لا يولد من الخوف فقط، بل من تعريف واضح للمصلحة المشتركة. فإذا كان الهدف حماية الخليج فقط، فلن تنخرط مصر وتركيا وباكستان بالعمق المطلوب. وإذا كان الهدف مواجهة إيران فقط، فسيفشل في بناء شرعية إقليمية واسعة. وإذا كان الهدف مواجهة إسرائيل فقط، فسيصطدم بالمظلة الأميركية. أما إذا كان الهدف بناء نظام ردع إقليمي يمنع أي قوة، إيرانية كانت أو إسرائيلية أو غيرها، من تهديد سيادة الدول واستقرارها، فحينئذ يمكن لهذا المشروع أن يصبح بداية هندسة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.
قد يكون «الناتو الإسلامي» إذًا فرصة، لكنه فرصة محفوفة بالألغام. قوته المحتملة أنه يجمع المال والسكان والجغرافيا والتكنولوجيا والعمق الاستراتيجي. وضعفه المحتمل أنه قد يولد بلا عقيدة دفاعية واضحة، أو يتحول إلى حلف مذهبي، أو يبقى مرتهنًا للإرادة الأميركية. لذلك فإن نجاحه لن يتوقف على عدد الطائرات ولا على صفقات السلاح وحدها، بل على السؤال الأكبر: هل تستطيع الدول الإسلامية الكبرى أن تنتقل من منطق المحاور المتنافسة إلى منطق الأمن الجماعي؟ وهل تستطيع أن تصوغ تحالفًا يحمي المنطقة من إيران حين تهدد، ومن إسرائيل حين تعتدي، ومن الفوضى حين تتسلل، ومن التبعية حين تتخفى بثوب الحماية؟
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حلف جديد يزيد الانقسام، بل إلى ميزان قوة يمنع الانهيار. وإذا استطاع هذا «الناتو الإسلامي» المفترض أن يكون ميزانًا لا محورًا، وردعًا لا حربًا، واستقلالًا نسبيًا لا تبعية كاملة، فقد يصبح أحد مفاتيح الاستقرار في المنطقة. أما إذا وُلد بوصفه أداة أميركية مؤقتة أو جبهة مذهبية ضيقة، فسيتحول من حلٍّ للشرق الأوسط إلى مشكلة جديدة تضاف إلى مشكلاته القديمة.
