مركز “ICGER” يواصل جلساته الفكرية حول التاريخ السياسي الإسلامي

في إطار برنامجه الفكري الهادف إلى قراءة الوقائع التاريخية واستجلاء أثرها في تشكّل الفكر السياسي وتحولات الواقع المعاصر، استكمل المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي (ICGER) سلسلة ندواته المتخصصة حول التاريخ الإسلامي، فعقد ظهر يوم الجمعة في 17 يوليو 2026، في مقر المركز في بيروت، جلسة فكرية جديدة حاضر فيها رئيس المركز، الدكتور محمد وليد يوسف، بحضور عدد من أعضاء المركز والباحثين والمهتمين.
استُهلّت الندوة بكلمة لمديرها الدكتور عماد غنوم، أشار فيها إلى أن هذه المحاضرة تأتي استكمالًا للجلسات السابقة التي تناولت المراحل التأسيسية في التاريخ السياسي الإسلامي، ولا سيما الوقائع التي أعقبت مقتل عبد الله بن الزبير وانتقال الخلافة بصورة نهائية إلى عبد الملك بن مروان.
وأوضح أن دراسة هذه المرحلة لا تقتصر على استعادة أحداث الماضي، بل تهدف إلى فهم البنى السياسية والقوانين الناظمة للصراع على السلطة، واستكشاف امتداداتها في الفكر السياسي وفي وقائع العالم المعاصر.
بعد ذلك، قدّم رئيس قسم التحرير في المركز حسن هاشم مداخلة تناول فيها أهمية المنهج الذي يعتمده الدكتور محمد وليد يوسف في استشراف التحولات السياسية، من خلال النظر العميق في الوقائع التاريخية، واستخلاص القوانين المادية والموضوعية التي تحكم حركة الفضاء السياسي.
وعرض عددًا من الأمثلة التي تكشف قدرة هذا المنهج على رصد أنماط متكررة في التاريخ السياسي الإسلامي، وبيان كيفية عودتها في عالمنا المعاصر بأشكال وأدوات مختلفة، وإن بقيت محكومة بالسنن والقوانين السياسية نفسها.
ثم بدأ العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف محاضرته، فتناول مرحلة انتقال الخلافة إلى عبد الملك بن مروان بعد القضاء على خلافة عبد الله بن الزبير، وما أعقب ذلك من إعادة بناء سلطة الدولة الأموية وتثبيت أركانها.
وتوقف عند الدور الذي أدّته شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، وفي مقدمتها الحجاج بن يوسف الثقفي، وفي المراحل السابقة زياد بن أبيه، في مواجهة الحركات المعارضة وقمع التمردات السياسية، ولا سيما حركات الخوارج والاضطرابات التي شهدها العراق في الكوفة والبصرة.
وبيّن الدكتور يوسف أن سياسات القوة والقمع لم تكن أحداثًا معزولة عن سياقها، بل أسهمت في تكوين أنماط راسخة في إدارة الصراع السياسي، لا تزال بعض تجلياتها حاضرة في عدد من دول العالم المعاصر.
وأكد أن الوقائع السياسية التاريخية تمثل أساسًا ضروريًّا لفهم التحولات الراهنة، لأن الحاضر السياسي لا ينفصل عن القوانين العميقة التي تشكّلت عبر التاريخ، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
وتناول في هذا السياق ما سمّاه قانون “الغالب والمغلوب”، معتبرًا أنه من القوانين المركزية التي تحكم الصراعات السياسية في المنطقة، وأن عددًا من القوى الدولية أخفق في فهم طبيعة هذا القانون وآثاره النفسية والاجتماعية والسياسية. واستشهد بمواقف تأسيسية في التاريخ الإسلامي، من بينها رفض نبي الإسلام محمد، في مرحلة الاستضعاف في مكة، التسوية التي طُرحت عليه للتراجع عن دعوته، مستحضرًا قوله المشهور: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”.
كما أشار إلى موقف علي بن أبي طالب، الذي رفض الخضوع لمنطق التسويات التي تمسّ المبادئ الأساسية للصراع السياسي، وكان عازمًا على متابعة مواجهة حكم معاوية بن أبي سفيان قبل أن يُقتل.
وأوضح الدكتور يوسف أن هذه الوقائع التأسيسية أسهمت في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي في المنطقة، بحيث لا يمكن مقاربة صراعاتها اعتمادًا على التسويات المرحلية وحدها، من دون فهم موازين القوة، وذاكرة الغلبة والهزيمة، وطبيعة التصورات التي تحملها الجماعات عن الحق والشرعية والانتصار.
ورأى أن عدم إدراك هذه القوانين كان من أبرز أسباب تعثّر السياسات الأمريكية في عدد من الساحات، ومنها أفغانستان والعراق والصومال، إذ انطلقت المقاربات الأمريكية، في كثير من الأحيان، من منطق التسويات والترتيبات المؤسسية، من دون الإحاطة الكافية بالبنى التاريخية والاجتماعية والنفسية التي تحكم الصراع، وبالأثر العميق لعلاقة الغالب بالمغلوب في تشكيل مواقف الشعوب والقوى السياسية.
واختُتمت الندوة بنقاش فكري تناول العلاقة بين التاريخ والسياسة، وأهمية الانتقال من القراءة السردية للأحداث إلى القراءة المنهجية التي تكشف القوانين الحاكمة لها، بما يساعد على بناء فهم أكثر دقة للواقع، واستشراف التحولات السياسية المقبلة.
وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة الجلسات الفكرية التي ينظمها المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي، تأكيدًا لرسالته العلمية في تحليل الوقائع السياسية، وربط الماضي بالحاضر، وتقديم مقاربات معرفية معمقة تسهم في فهم الأزمات والتحولات التي يشهدها العالم.





