مركز ICGER يختتم سلسلة ندواته حول التاريخ السياسي الإسلامي وصولًا إلى “حادثة كربلاء”

اختتم المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي (ICGER) سلسلة ندواته الفكرية حول التاريخ السياسي الإسلامي، بندوة ختامية تناولت الوقائع السياسية في زمن خلافة علي بن أبي طالب وصولًا إلى “حادثة كربلاء” التي قُتل فيها الحسين بن علي بن أبي طالب، وما تركته هذه الحادثة من آثار عميقة في الوعي الإسلامي والواقع السياسي، قديمًا وحديثًا.

وأدار الندوة الدكتور عماد غنوم، الذي أشار في مستهلها إلى أهمية مقاربة التاريخ لا بوصفه سردًا لأحداث مضت فحسب، بل بوصفه عاملًا فاعلًا في فهم الواقع السياسي وتحولاته، مؤكدًا أن كثيرًا من الظواهر والانقسامات والمواقف السياسية المعاصرة لا يمكن قراءتها قراءة عميقة من دون العودة إلى جذورها التاريخية والسياقات التي أنتجتها.

وأضاف الدكتور غنوم أن قيمة هذه السلسلة من المحاضرات تكمن في أن الدكتور محمد وليد يوسف استطاع أن يحيط بالوقائع التاريخية الكبرى والصغرى، بدقيقها وجليلها، وأن يربط بينها ربطًا تحليليًا مكّنه من قراءة الواقع السياسي الذي نشأ عنها، وفهم التأثيرات الممتدة لهذه الوقائع في عالمنا المعاصر اليوم. ولفت إلى أن حادثة كربلاء لم تكن حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل جاءت في سياق تاريخي وسياسي طويل بدأ منذ التحولات الأولى التي أعقبت وفاة نبي الإسلام محمد، مرورًا بانتقال الخلافة، وما رافق ذلك من وقائع وصراعات ومواقف أسست لما بعدها.

ثم استكمل رئيس المركز، الدكتور محمد وليد يوسف، قراءته التاريخية والسياسية، متناولًا خلافة علي بن أبي طالب، ومشيرًا إلى أنه تسلّم الحكم في مرحلة شديدة الاضطراب، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وفي ظل واقع سياسي مأزوم تتداخل فيه المطالب بالقصاص مع الصراع على السلطة وإعادة ترتيب الدولة.

ورأى يوسف أن علي بن أبي طالب كان حريصًا على الحق والعدل وإعادة الأمور إلى نصابها، وأنه رفض ممالأة الولاة الذين تركهم عثمان بن عفان، كما رفض أن تكون الدولة رهينة لمراكز النفوذ التي تشكلت في المرحلة السابقة. وأوضح أن موقفه من قتلة عثمان كان من أبرز القضايا التي استند إليها خصومه في معارضته، إذ طالبوا بالقصاص الفوري، في حين رأى علي بن أبي طالب أن استقرار الدولة واستعادة النظام العام شرط سابق لأي إجراء قضائي عادل.

وفي هذا السياق، توقف الدكتور يوسف عند ما عُرف في التاريخ السياسي الإسلامي بمصطلح “قميص عثمان”، موضحًا أن خصوم علي بن أبي طالب رفعوا هذا الشعار للمطالبة بدم عثمان، وجعلوه عنوانًا سياسيًا في مواجهته. وبيّن أن هذا الشعار تحوّل إلى أداة تعبئة وصراع، وأسهم في تأجيج الخلافات التي قادت لاحقًا إلى معركتي الجمل وصفّين.

وتناول المحاضر معركة الجمل بوصفها واحدة من المحطات المفصلية في الفتنة الكبرى، ثم انتقل إلى معركة صفّين وما انتهت إليه من رفع المصاحف والقبول بالتحكيم. وشرح الدكتور يوسف أن قبول علي بن أبي طالب بالتحكيم شكّل لحظة فارقة في مسار الصراع السياسي، إذ أدّى إلى انقسام داخل معسكره، وظهور جماعة الخوارج الذين رفضوا التحكيم ورفعوا شعارهم المعروف: “لا حكم إلا لله” أو “إنِ الحكمُ إلا لله”.

وأشار يوسف إلى أن نشأة الخوارج مثّلت تطورًا خطيرًا في التاريخ السياسي الإسلامي، لأنها كشفت عن انتقال الخلاف السياسي إلى مستوى التكفير والعنف المسلح. وقد انتهى هذا المسار، بحسب ما عرض المحاضر، إلى اغتيال علي بن أبي طالب على يد أحد الخوارج، لتدخل الأمة مرحلة جديدة من التحول السياسي.

وتوقف الدكتور يوسف عند واقعة التحكيم، متناولًا دور أبي موسى الأشعري فيها، وما آلت إليه من نتائج سياسية أسهمت في إضعاف موقع علي بن أبي طالب، وفتحت الطريق أمام صعود معاوية بن أبي سفيان. ثم عرض للمسار الذي انتقلت فيه الخلافة إلى معاوية، وصولًا إلى اتفاقه التاريخي مع الحسن بن علي بن أبي طالب في ما عُرف بـ”عام الجماعة”، حيث تنازل الحسن عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين وإنهاءً لحالة الانقسام والاقتتال.

كما تطرّق المحاضر إلى وفاة الحسن بن علي، مشيرًا إلى الروايات التاريخية التي تحدثت عن موته مسمومًا، ثم انتقل إلى المرحلة التي بدأ فيها معاوية بن أبي سفيان بالتمهيد لانتقال الحكم إلى ابنه يزيد. وبيّن الدكتور يوسف أن أخذ البيعة ليزيد مثّل تحولًا خطيرًا في نظام الحكم الإسلامي، لأنه نقل الخلافة من مبدأ الشورى أو الاختيار السياسي إلى منطق التوريث، مشيرًا إلى دور المغيرة بن شعبة في نصح معاوية بهذا المسار والدفع في اتجاهه.

وأوضح الدكتور يوسف أن هذا التحول كان من أبرز الأسباب التي دفعت الحسين بن علي إلى رفض البيعة ليزيد، والخروج من المدينة، وذلك رفضًا لتحويل الحكم إلى ملك وراثي.

ولفت إلى أن عددًا من أصحاب الحسين نصحوه بعدم الخروج، إدراكًا منهم لصعوبة الظروف السياسية واختلال موازين القوى، إلا أنه أصرّ على موقفه، وهو ما قاده إلى واقعة كربلاء، حيث قُتل مع أهل بيته وأنصاره، لتتحول هذه الحادثة إلى واحدة من أعمق الوقائع أثرًا في التاريخ الإسلامي، لا بسبب بعدها المأساوي فحسب، بل لأنها مثّلت ذروة الصراع بين أقطاب الأمة حينها آل بيت نبي الإسلام وبنو أمية.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن سلسلة المحاضرات التي نظمها مركز ICGER حول حادثة كربلاء قدّمت قراءة سياسية وتاريخية متكاملة للوقائع التي سبقت الحادثة ومهّدت لها، من خلال تتبع مسار الخلافة والتحولات الكبرى في بنية الحكم الإسلامي، وصولًا إلى الأثر العميق الذي تركته كربلاء في الوجدان الإسلامي، وفي فهم العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة في التاريخ والواقع المعاصر.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى