من الحرب الباردة إلى أزمة إيران:كيف استعادت باكستان زخمها الجيوسياسي؟

بقلم الباحثة المقيمة حنين جركس
مسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت
حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

خلال حقبة الحرب الباردة، ظهرت باكستان كأحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في منطقة جنوب آسيا، إذ انخرطت إسلام آباد في منظومة الأحلاف الغربية ولعبت دورًا وظيفيًا لتقويض الوجود العسكري السوفياتي في أفغانستان، في وقتٍ جنحت فيه الهند نحو تحالف وثيق مع الاتحاد السوفياتي.
ومع أفول حقبة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، شهدت باكستان تراجعًا ملحوظًا في مكانتها الاستراتيجية لدى واشنطن، التي اتجهت بدورها نحو بناء شراكة استراتيجية مع الهند لمواجهة الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إلا أن الظروف السياسية والأمنية الجديدة بحلول عام 2026، أعادت باكستان مجددًا إلى الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث برزت إسلام آباد كقناة دبلوماسية وجيوسياسية لا غنى عنها، متجاوزة وظيفتها الأمنية الكلاسيكية المحصورة في النطاق الحدودي، لتضطلع بدور الوسيط المحوري في إدارة الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. ومن خلال التوظيف البراغماتي لميزتها الجغرافية وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى، نجحت الدبلوماسية الباكستانية في تقريب المواقف المتناقضة وإطلاق جولات التفاوض، محوّلةً العبء الجغرافي التاريخي إلى ورقة ضغط دبلوماسية استعادت بها زخمها الجيوسياسي كشريك تكتيكي في إدارة الأزمات الإقليمية العابرة للحدود.
تفتح هذه التحولات الباب أمام تساؤلات: كيف استطاعت إسلام آباد توظيف دورها التوفيقي بين واشنطن وطهران لاكتساب زخم جيوسياسي متجدد واسترداد جزء من نفوذها المنكفئ بعد الحرب الباردة؟ وما هي انعكاسات هذا التقارب على العلاقات الأمريكية – الهندية وتوازنات القوة في جنوب آسيا؟
كيف استعادت إسلام آباد زخمها الجيوسياسي؟
دخلت المكانة الجيوسياسية لباكستان طورًا من الانكفاء التدريجي عقب انتهاء الحرب الباردة، بفعل تحولات بنيوية في النظام الدولي أنهت دورها الوظيفي في احتواء النفوذ السوفياتي، وقد تعمّق هذا التراجع بفعل العقوبات الدولية التي فرضت على برنامجها النووي، والشكوك الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بشأن صلات إسلام آباد بحركة طالبان في أفغانستان، وصولًا إلى مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على أراضيها عام 2011 من دون تنسيق مسبق معها، وتطويقها ماليًا بإدراجها في القائمة الرمادية لمجموعة (FATF) عام 2018.
بيد أن إسلام آباد نجحت في استرداد نفوذها المنكفئ تدريجيًا، مستندةً إلى جملة من التحولات الإقليمية، فقد منحها الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وعودة حركة طالبان إلى الحكم هامش مناورة أوسع لتفكيك طوق الضغوط الجيوسياسية المحيطة بها. كما شكل “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” مع بكين رافعة بنيوية لترميم مأزقها الاقتصادي.
علاوة على ذلك، استغلت باكستان تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند عام 2025 – إثر الحياد الأمريكي في التصعيد العسكري الأخير بين إسلام آباد والهند ورعاية واشنطن لوقف النار بمعزل عن نيودلهي، فضلاً عن فرض رسوم مشددة على الأخيرة لشرائها النفط الروسي – لتحقيق تقارب مستجد مع البيت الأبيض. وتمثل ذلك في تكثيف قائد الجيش الباكستاني عاصم منير لزياراته إلى البيت الأبيض، وترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام تقديرًا لجهوده في إنهاء التصعيد مع نيودلهي، وتوقيع اتفاق تجاري واقتصادي بارز في يوليو 2025 شمل خفض الرسوم والتعاون في قطاع الطاقة.
واستنادًا إلى أهمية موقعها كحلقة وصل بين جنوب آسيا والشرق الأوسط، حولت إسلام آباد حدودها البرية الممتدة مع إيران إلى قناة اتصال جيواستراتيجية، نجحت من خلالها في رعاية “مذكرة تفاهم إسلام آباد” في 17 يونيو 2026 لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ما أعاد فرض دورها الوظيفي كحتمية استراتيجية في حسابات القوى الكبرى.
ولم يكن قبول واشنطن وطهران بالوساطة الباكستانية نتاج توافق سياسي، بل فرضته المصالح المتناقضة، إذ بحثت واشنطن – التي أدركت كلفة استمرار المواجهة البحرية المفتوحة وعجز القوة عن تأمين الملاحة في هرمز – عن قوة إقليمية لإدارة النزاع ومنع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، بينما تطلعت طهران – المحاصرة اقتصاديًا – إلى إسلام آباد كمنفذ حيوي لكسر الطوق والعزلة الاقتصادية. وبهذا التوازن الدقيق، فرضت إسلام آباد نفسها كحاجة دولية لا غنى عنها لإدارة الصراع.
كيف انعكس ذلك على العلاقات الأمريكية – الهندية؟
على الرغم من نجاح باكستان في استعادة جزء من زخمها الجيوسياسي وإعادة إدراج حضورها في الحسابات الاستراتيجية للبيت الأبيض، إلا أن هذا التحول لا يعني استعادة كاملة لمكانتها المحورية التي حظيت بها في حقبة الحرب الباردة، إذ يظل هذا الزخم محكومًا بمعادلات “صفقاتية” موقتة فرضتها براغماتية إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، ولا يعكس تحولًا استراتيجيًا بنيويًا مستدامًا، خاصة في ظل الأزمات البنيوية والاقتصادية التي تكبل إسلام آباد، مقابل التفوق الاستراتيجي لنيودلهي وعمق الشراكة الأمريكية – الهندية.
بيد أن هذا التقارب التكتيكي الظرفي كان كافيًا لينعكس على طبيعة العلاقات الأمريكية – الهندية، حيث تسببت تبعات الحرب الأمريكية – الإيرانية الأخيرة بأضرار جسيمة على الأمن الاقتصادي الهندي تجلت في:
- العجز التجاري وتراجع قيمة العملة: واجهت نيودلهي – التي تستورد أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية[1] – تضخمًا حادًا وعجزًا قياسيًا في ميزانها التجاري، كما سجلت احتياطيات النقد الأجنبي – بحسب تقارير بنك الاحتياطي الهندي (RBI) لعام 2026- تراجعًا حادًا بنحو 30 مليار دولار، جراء تراجع تحويلات المغتربين الهنود في الخليج وتضخم فاتورة الطاقة، ما أفضى إلى تهاوي الروبية الهندية.
- تجميد المشاريع الاستراتيجية الإقليمية: فرضت العقوبات الأمريكية المشددة على طهران تجميد التمويل الهندي لمشروع ميناء تشابهار الاستراتيجي في إيران، والذي استثمرت فيه نيودلهي مليارات الدولارات، ما أدى إلى تعطيل استراتيجية الأخيرة للالتفاف على باكستان والوصول إلى آسيا الوسطى.[2]
- الأعباء المالية لإجلاء الرعايا: تكبدت نيودلهي أعباءً مالية ولوجستية باهظة لإجلاء أكثر من 1.1 مليون مواطن طارئ من مناطق النزاع في الخليج وغرب آسيا.[3]
- التدابير التقشفية والحمائية الطارئة: اضطرت الحكومة الهندية لفرض إجراءات تقشفية قاسية لحماية النمو الاقتصادي، تضمنت تقنين استهلاك الوقود وتأجيل استيراد الذهب لكبح العجز التجاري المتفاقم.[4]
ونتيجة لذلك، واجه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ضغوطًا سياسية قاسية من المعارضة والشارع الهندي، ما زعزع الاستقرار الداخلي وهدد القاعدة الشعبية لحزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم.
وقد تسببت هذه الخسائر الاقتصادية في إدخال العلاقات الأمريكية – الهندية في مرحلة من الجمود والبرود الدبلوماسي، حيث تقلصت اللقاءات الرسمية والتشاورية بين البلدين، وظهر عتب هندي واضح على السياسات الأمريكية التي لم تراع مصالح الهند الاقتصادية، وهو ما تجسد في تصريحات حاسمة لوزير التجارة الهندي بيوش غويال التي أكد فيها علناً عدم ثقة الهند بالوعود الشفهية الأمريكية.[5]
فضلًا عن أنّ إعراض واشنطن عن التنسيق الاستخباراتي والعسكري مع نيودلهي أثناء إدارة العمليات العسكرية – والتي تسببت في تضرر سفن هندية ومقتل ثلاثة بحارة هنود إثر ضربات عسكرية أمريكية استهدفت سفنًا تجارية في مضيق هرمز، وتعامُل الإدارة الأمريكية معه ببرود سياسي تام وتبريرها الهجوم عسكريًا – قد دفع نيودلهي لإدراك حدود وانتقائية المظلة الأمنية الأمريكية، وتقويض افتراضها التقليدي بأن واشنطن شريك موثوق طويل الأمد.
كما أن هذا الانكشاف أفقد حلف “كواد QUAD” – الذي تنضوي فيه الهند مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا – فعاليته وقيمته الاستراتيجية، إذ أدركت نيودلهي أن هذا التحالف – الذي أسسته واشنطن لمواجهة بكين في منطقة المحيطين الهادئ والهندي- لن يجدي نفعًا في ردع الأخطار المباشرة عنها، لا سيما مع دخول الحلف في حالة خمول وإعراض تام منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيض الأبيض في يناير 2025، وتحوله إلى هيكل شكلي بلا فعالية أمنية حقيقية.
ولعلّ الهند تدرك أن القبول الأمريكي بالوساطة الباكستانية يمنح إسلام آباد غطاءً دبلوماسيًا لكسر عزلتها، ويؤدي إلى تمكين غير مباشر للمشروع الصيني في جنوب آسيا، بحيث تصبح إسلام آباد – عبر ممرها الاقتصادي مع بكين – أداة جيوسياسية تمنح بكين القدرة على إحكام طوق أمني استراتيجي يمتد من الهيمالايا شمالًا إلى حدود باكستان غربًا.
ما حمل الهند على تبني مقاربة براغماتية اضطرارية نحو تعميق وتسريع مسار التهدئة مع بكين كبديل عن مواجهتها، وتجسد ذلك في توافقات يونيو 2026 لتجميد الصراع الحدودي موقتًا[6]، وتقديم تنازلات اقتصادية غير مسبوقة عبر تخفيف القيود على الاستثمارات الصينية بعد حظرها لسنوات.[7]
كما أن شعور باكستان بأنها تحظى بدعم وغطاء دبلوماسي من واشطن، قد يمنحها فائض ثقة في إدارة أزماتها الحدودية مع الهند. وفي المقابل، فإن نيودلهي – لمنع ترسيخ انطباع الضعف الهندي أو التراجع الاستراتيجي – قد تتبنى سياسة ردع أسرع وأعنف إذا استشعرت أي جرأة باكستانية مستجدة، ما قد يدفع القوتين النوويتين نحو تصعيد عسكري جديد يماثل مواجهة مايو 2025، والتي كادت أن تنزلق إلى حافة حرب نووية شاملة لولا تدخل الولايات المتحدة والتهدئة حينها.
ولكن في ظل أزمة الثقة الحالية بين الهند والولايات المتحدة، هل ستسمح نيودلهي لواشنطن بلعب دور الحكم والوسيط مجددًا في أي تصعيد قادم؟ أم أن منطقة جنوب آسيا ستُترك لمصيرها النووي؟
[1] Ey.com. 26-06-2026. https://www.ey.com/en_in/insights/t
[2] Moderndiplomacy.eu. 29-05-2026. https://moderndiplomacy.eu/2026/05/29
[3] Ddnews.gov.in. 20-04-2026.https://ddnews.gov.in/en/over-11-lakh-evacuated-w-mea/
[4] Asharqbusiness.com. 11-05-2026. https://asharqbusiness.com/economics
[5] Timesofindia.indiatimes.com. 25-06-2026. https://timesofindia.indiatimes.com/business/india-busines
[6] Eastasiaforum.org. 25-05-2026. https://eastasiaforum.org/2026/05/25/china-india
[7] Carnegieendowment.org. 28-04-2026. https://carnegieendowment.org/india/research/2026/04/indias
